بلجيكا تستأنف مفاوضات الموازنة لتجنب انهيار الحكومة وسط ضغوط الديون
استأنفت الأحزاب الخمسة المشاركة في الائتلاف البلجيكي مفاوضات الموازنة بعد أزمة هددت الحكومة بالانهيار، وسط خلافات حول خفض الإنفاق وزيادة الضرائب.
دخلت الأزمة السياسية والمالية في بلجيكا مرحلة جديدة، بعدما قررت الحكومة استئناف مفاوضات الموازنة في محاولة لتجنب انهيار الائتلاف الحاكم والذهاب إلى انتخابات مبكرة، وذلك عقب اجتماع رئيس الوزراء بارت دي ويفر مع الملك فيليب يوم الجمعة 6 نوفمبر 2026.
وجاء القرار بعد أشهر من الخلاف بين الأحزاب الخمسة المشاركة في الائتلاف بشأن الإجراءات المطلوبة لضبط المالية العامة، وفي مقدمتها خفض الإنفاق وزيادة الإيرادات الضريبية بما يقارب 10 مليارات يورو. وكانت الأزمة قد دفعت رئيس الوزراء إلى تقديم استقالته يوم الاثنين، قبل أن تتجه المشاورات السياسية إلى إعادة فتح باب التفاوض.
وتعكس التطورات صعوبة التوفيق بين مطالب خفض العجز والدين العام من جهة، والاعتبارات الاجتماعية والسياسية للأحزاب المشاركة في الحكومة من جهة أخرى، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة الاقتراض وتزايد الضغوط على أسواق السندات الأوروبية.
كيف بدأت أزمة الحكومة البلجيكية؟
تعود جذور الأزمة إلى الخلاف حول مشروع الموازنة والإجراءات المالية التي ترى الحكومة أنها ضرورية لاستقرار الوضع المالي في السنوات المقبلة. وتحتاج بلجيكا إلى معالجة فجوة مالية تقدر بنحو 10 مليارات يورو، لكن الأحزاب المشاركة في الائتلاف لم تتفق على الطريقة المناسبة لتوفير هذا المبلغ.
ويتمحور الخلاف حول مدى الاعتماد على خفض الإنفاق العام، مقابل زيادة الضرائب أو تعديل بعض مصادر الإيرادات. فاختيار خفض الإنفاق قد يثير اعتراضات تتعلق بالخدمات العامة والإنفاق الاجتماعي، بينما قد تواجه زيادة الضرائب رفضًا من قطاعات اقتصادية أو شرائح من الناخبين.
ومع استمرار الخلافات لعدة أشهر، تعثرت المفاوضات بين الشركاء السياسيين، ما دفع رئيس الوزراء بارت دي ويفر إلى تقديم استقالته في بداية الأسبوع، في خطوة عكست حجم الانسداد السياسي.
لماذا عادت المفاوضات بعد تقديم الاستقالة؟
بعد تقديم الاستقالة، أجرى الملك فيليب مشاورات مع قادة الأحزاب المشاركة في الائتلاف. وأفاد الديوان الملكي بأن الأحزاب الخمسة أبدت استعدادًا لتقديم تنازلات والعمل على تقريب وجهات النظر.
وبناءً على ذلك، كلف الملك رئيس الوزراء ببدء جولة جديدة من المفاوضات، على أن يقدم تقريرًا بشأن نتائجها في 16 نوفمبر 2026.
ويعني هذا التطور أن الاستقالة لم تتحول في هذه المرحلة إلى نهاية فعلية للحكومة، بل أُعيد فتح المسار السياسي بهدف الوصول إلى اتفاق مالي يحافظ على تماسك الائتلاف.
وكان دي ويفر قد أشار أمام البرلمان إلى أنه يميل إلى الاستمرار في منصبه إذا أمكن التوصل إلى موازنة تحقق الاستقرار المالي خلال السنوات المقبلة، بدلًا من الذهاب مباشرة إلى انتخابات مبكرة.
حجم الضغوط على المالية العامة
تواجه بلجيكا وضعًا ماليًا صعبًا وفق تقديرات المفوضية الأوروبية الصادرة في مايو 2026. إذ توقعت المفوضية أن يصل الدين العام إلى نحو 110.5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام، بينما يقدر العجز المالي بنحو 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتضع هذه المؤشرات بلجيكا ضمن الدول الأوروبية التي تواجه مستويات مرتفعة من الدين والعجز، وهو ما يزيد الضغوط على الحكومة لإظهار خطة واضحة لضبط الإنفاق وتحسين الإيرادات.
كما انعكست حالة عدم اليقين السياسي على سوق السندات، إذ ارتفع العائد على السندات البلجيكية لأجل عشر سنوات إلى 4.25% يوم الجمعة، مقارنة بنحو 3.50% قبل أربعة أشهر، وفق البيانات التي أوردتها رويترز.
ويعني ارتفاع العائد أن الحكومة قد تضطر إلى تحمل تكلفة أكبر عند الاقتراض، ما يضيف عبئًا جديدًا على الموازنة ويجعل معالجة الدين أكثر إلحاحًا.
لماذا لا يعد الاتفاق المالي مجرد مسألة محاسبية؟
تتجاوز المفاوضات تحديد أرقام الإيرادات والمصروفات، لأنها ترتبط بتوزيع الأعباء الاقتصادية بين المواطنين والشركات ومختلف فئات المجتمع.
فخفض الإنفاق قد يؤثر على بعض البرامج الحكومية أو الخدمات، بينما يمكن أن تؤدي زيادة الضرائب إلى رفع تكلفة النشاط الاقتصادي أو تقليل الدخل المتاح للأسر. وفي المقابل، قد يؤدي تأجيل الإصلاحات المالية إلى استمرار ارتفاع الدين وتكلفة الاقتراض، بما يضيق مساحة الحكومة في الإنفاق مستقبلًا.
ولهذا تحاول الأحزاب الوصول إلى صيغة تحقق توازنًا بين الاستقرار المالي والقدرة على الحفاظ على الدعم السياسي والشعبي. ويزداد الأمر تعقيدًا لأن كل حزب داخل الائتلاف لديه أولويات انتخابية واجتماعية مختلفة، وقد يواجه صعوبة في تمرير تنازلات كبيرة أمام ناخبيه.
ما السيناريوهات المطروحة أمام الحكومة؟
يظل السيناريو الأول هو التوصل إلى اتفاق بشأن الموازنة قبل الموعد الذي حدده الملك في 16 نوفمبر، بما يسمح للحكومة بمواصلة عملها وتجنب أزمة سياسية أوسع.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار الخلافات، وهو ما قد يعيد مسألة الاستقالة أو تغيير شكل الائتلاف إلى الواجهة. وقد يؤدي الفشل في التوصل إلى اتفاق إلى زيادة احتمالات الانتخابات المبكرة، وإن لم يكن ذلك نتيجة حتمية في الوقت الحالي.
ويعتمد نجاح المفاوضات على قدرة الأحزاب الخمسة على تحديد مزيج مقبول من إجراءات خفض الإنفاق وزيادة الإيرادات، إلى جانب الاتفاق على جدول زمني لتنفيذها.
تأثير الأزمة على الاتحاد الأوروبي
تتابع الأسواق الأوروبية أوضاع المالية العامة في بلجيكا في وقت تواجه فيه دول أخرى ضغوطًا على السندات الحكومية، ما يجعل أي أزمة سياسية أو مالية ذات تأثير يتجاوز الحدود الوطنية.
كما أن ارتفاع تكلفة الاقتراض قد يضغط على قدرة الحكومة البلجيكية على تمويل التزاماتها، ويزيد أهمية تقديم خطة مالية قابلة للتنفيذ تحظى بثقة المستثمرين والمؤسسات الأوروبية.
ولا يعني ذلك أن بلجيكا تواجه عجزًا عن سداد ديونها، لكنه يعكس ارتفاع حساسية الأسواق تجاه مسار الدين العام، وقدرتها على الاستمرار في الاقتراض بتكلفة مقبولة.
خاتمة
تمنح استئناف المفاوضات الحكومة البلجيكية فرصة جديدة لتجنب الانهيار، لكنها لا تعني أن الأزمة انتهت. فالتحدي الحقيقي يتمثل في تحويل الاستعداد السياسي للتنازل إلى اتفاق واضح بشأن الموازنة، يحدد مصادر توفير 10 مليارات يورو ويوازن بين خفض العجز وحماية الخدمات العامة. وستكون نتائج المفاوضات قبل 16 نوفمبر اختبارًا لقدرة الائتلاف على الاستمرار، كما ستبعث برسالة مهمة إلى الأسواق بشأن اتجاه المالية العامة في بلجيكا.



