محكمة الاستئناف البريطانية تلغي قرارًا بشأن طلب لجوء.. الأدلة المؤيدة لا يجوز تجاهلها عند تقييم المصداقية
أصدرت محكمة الاستئناف البريطانية حكمًا في قضية طالب حماية يُعرف بالأحرف RM، مؤكدة ضرورة تقييم الأدلة التي تدعم رواية طالب اللجوء وعدم الاكتفاء بالإشارة إلى تناقضات دون تحليلها.
أصدرت محكمة الاستئناف البريطانية حكمًا جديدًا في قضية تتعلق برفض طلب حماية دولية، تناول الضوابط التي يجب أن تلتزم بها المحاكم والهيئات المختصة عند تقييم مصداقية رواية طالب اللجوء، ومدى وجوب مناقشة الأدلة التي قد تؤيد أقواله حتى إذا وُجدت اختلافات بين رواياته في مراحل مختلفة من الإجراءات.
وتكمن أهمية الحكم في أنه يوضح أن تقييم المصداقية لا يجوز أن يتحول إلى عملية انتقائية تركز على الاختلافات وحدها، بينما تتجاهل المستندات أو المعلومات التي قد تدعم رواية صاحب الطلب. كما يؤكد ضرورة أن تشرح الجهة القضائية كيف تعاملت مع الأدلة الجوهرية، ولماذا اعتبرت أن بعض الاختلافات تؤثر في مصداقية الشخص أو لا تؤثر فيها.
وصدر الحكم في 4 نوفمبر 2026 في القضية المعروفة باسم RM ضد وزير الداخلية البريطاني، تحت رقم [2026] EWCA Civ 1416، بعد طعن تقدم به طالب الحماية على قرار سابق رفض اعتراضه على رفض طلبه.
كيف بدأت القضية؟
تعود القضية إلى قرار صادر عن وزارة الداخلية البريطانية في 4 سبتمبر 2023 برفض طلبات الحماية التي تقدم بها صاحب الدعوى، والذي عُرف في الحكم بالأحرف RM.
واعترض صاحب الطلب على القرار، لكن محكمة الدرجة الأولى رفضت استئنافه، ثم لم ينجح في الطعن أمام المحكمة الأعلى المختصة بشؤون الهجرة واللجوء.
وبعد ذلك حصل على إذن بالطعن أمام محكمة الاستئناف، لتبحث المحكمة ما إذا كانت الجهات التي نظرت القضية قد طبقت القواعد القانونية بصورة صحيحة عند تقييم أقواله والأدلة التي قدمها.
ولا تكشف طبيعة الحكم المنشور عن أن المحكمة منحت صاحب الدعوى صفة لاجئ بصورة تلقائية، بل إن المسألة التي تناولتها تتعلق بكيفية تقييم الأدلة وتفسير الاختلافات بين الروايات.
ما المقصود بتقييم المصداقية في قضايا اللجوء؟
عندما يتقدم شخص بطلب حماية دولية، يتعين على السلطات المختصة فحص الوقائع التي يستند إليها، ومنها الأسباب التي دفعته إلى مغادرة بلده، والمخاطر التي يقول إنه قد يتعرض لها إذا عاد إليه.
وقد تشمل الأدلة أقوال مقدم الطلب، والوثائق الرسمية، والتقارير الطبية، والمراسلات، وتقارير الأوضاع في الدولة التي فر منها، وأي معلومات أخرى ذات صلة.
وتواجه الجهات المختصة أحيانًا اختلافات بين ما يقوله الشخص في المقابلة الأولى وما يذكره لاحقًا في جلسات أو مستندات أخرى. وقد يكون بعض الاختلافات جوهريًا، بينما يكون بعضها متعلقًا بتفاصيل ثانوية أو ناتجًا عن ظروف المقابلة أو الترجمة أو مرور الوقت.
ولهذا لا يجوز التعامل مع كل اختلاف باعتباره دليلًا قاطعًا على عدم الصدق، بل يجب تقييم طبيعة الاختلاف وأهميته ومدى تأثيره في جوهر الادعاء.
لماذا شددت المحكمة على الأدلة المؤيدة؟
أبرزت القضية أهمية عدم الاكتفاء بتحديد التناقضات بين الروايات، بل يتعين على القاضي أن ينظر أيضًا إلى الأدلة التي قد تدعم الاتساق أو تفسر الاختلافات.
فقد تتضمن وثيقة واحدة معلومات تؤيد جزءًا من رواية مقدم الطلب، حتى لو وردت في موضع آخر منها تفاصيل تحتاج إلى تفسير. ولا يكفي الإشارة إلى الوثيقة بصورة عامة دون توضيح ما إذا كان القاضي قد فحص الجزء الذي يتصل مباشرة بالمسألة محل الخلاف.
ويعني ذلك أن التسبيب القضائي يجب أن يكون واضحًا، وأن يبين كيف تم التعامل مع الأدلة المهمة، خصوصًا عندما يكون لها أثر محتمل في النتيجة.
هل يعني الحكم قبول طلب اللجوء؟
لا. من المهم التمييز بين إلغاء قرار بسبب خلل في طريقة التقييم وبين ثبوت استحقاق الحماية الدولية.
فإذا رأت محكمة الاستئناف أن الجهة السابقة لم تفحص الأدلة بطريقة قانونية سليمة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن جميع أقوال مقدم الطلب صحيحة أو أن شروط اللجوء متوافرة بصورة نهائية.
وقد تكون النتيجة القانونية هي إعادة النظر في القضية أو اتخاذ إجراء آخر وفق ما يحدده الحكم، بحيث يتم تقييم الأدلة مرة أخرى بصورة تتفق مع المبادئ القضائية.
وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول الأحكام الإجرائية إلى عناوين مضللة توحي بأن المحكمة منحت اللجوء في كل قضية تعترض على طريقة فحص الأدلة.
ما مسؤولية المحاكم والهيئات المختصة؟
تتحمل الجهات التي تنظر طلبات الحماية مسؤولية فحص الوقائع بصورة متوازنة، وعدم تجاهل أي دليل جوهري لمجرد أنه لا يتفق مع الانطباع الأولي عن مقدم الطلب.
كما يتعين عليها التمييز بين التناقضات التي تمس جوهر الرواية والاختلافات التي قد تكون قابلة للتفسير، مع مراعاة ظروف الشخص وطبيعة الأدلة المتاحة.
ولا يعني ذلك أن على المحكمة قبول كل رواية دون تدقيق، بل إن المطلوب هو إجراء تقييم موضوعي يوازن بين الأدلة المؤيدة والمعارضة، ويشرح أسباب الوصول إلى النتيجة.
لماذا يهم الحكم طالبي اللجوء؟
تنبع أهمية الحكم من أن قرارات رفض الحماية قد تترتب عليها نتائج شديدة الخطورة بالنسبة للأشخاص الذين يدعون تعرضهم للاضطهاد أو الخطر في بلدانهم.
فإذا جرى تقييم الأدلة بصورة غير مكتملة، فقد يؤدي ذلك إلى رفض طلب يستحق فحصًا أعمق. وفي المقابل، فإن الالتزام بالتقييم الدقيق يساعد أيضًا على التمييز بين الطلبات التي تستند إلى مخاطر حقيقية والطلبات التي لا تتوافر فيها الشروط القانونية.
كما يمثل الحكم توجيهًا مهمًا للمحامين الذين يتولون قضايا الهجرة، إذ يبرز ضرورة تحديد الأدلة الجوهرية بوضوح، وشرح العلاقة بينها وبين رواية موكلهم، وبيان ما إذا كانت الاختلافات الواردة في أقواله تؤثر بالفعل في أصل المطالبة.
الخلاصة: حكم RM ضد وزير الداخلية البريطاني يبرز أن تقييم طلبات اللجوء يجب أن يقوم على قراءة متكاملة للأدلة، لا على انتقاء التناقضات وحدها. لكنه لا يمثل منحًا تلقائيًا للحماية، بل يركز على سلامة المنهج القانوني الذي تستخدمه الجهات المختصة في تقييم المصداقية.



