المحكمة البريطانية تمنح مدعية فرصة أخيرة لتعديل دعوى تشهير ضد ناشطات في ملف سلامة الأمهات
قضت المحكمة العليا البريطانية بشطب أجزاء من دعوى تشهير رفعتها ممرضة قابلة ضد ناشطات في ملف سلامة الأمهات، مع منحها فرصة أخيرة لتعديل صحيفة الدعوى.
نزاع قضائي يجمع بين التشهير وحرية التعبير
أصدرت المحكمة العليا البريطانية، في 6 نوفمبر 2026، قرارًا في قضية «Victoria Rixon ضد Emily Barley وآخرين»، تتعلق بدعوى تشهير رفعتها ممرضة قابلة ضد ثلاث ناشطات شاركن في حملات مرتبطة بسلامة خدمات الأمومة.
وقررت المحكمة شطب أجزاء محددة من صحيفة الدعوى بسبب عدم استيفائها متطلبات قانونية تتعلق بتحديد العبارات محل الشكوى، وبيان كيفية الإشارة إلى المدعية، وإثبات الضرر الجسيم الذي يشترطه قانون التشهير البريطاني.
لكن المحكمة لم تشطب الدعوى بالكامل باعتبارها إساءة لاستخدام إجراءات التقاضي، بل منحت المدعية فرصة أخيرة لتقديم صياغة معدلة تستوفي المتطلبات القانونية.
وتبرز القضية أهمية التوازن بين حماية السمعة الشخصية وحق الناشطين في التعبير عن آرائهم بشأن مسائل تهم الصحة العامة وسلامة الخدمات الطبية.
كيف بدأ النزاع؟
تعود خلفية الدعوى إلى منشورات وتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي ظهرت في ربيع 2024، عقب تحقيق رسمي في وفاة طفل حديث الولادة داخل المستشفى الذي كانت تعمل فيه المدعية.
وكانت الناشطات الثلاث قد شاركن في نقاشات وحملات تتعلق بسلامة خدمات الأمومة، وتناولت بعض المنشورات المدعية أو أشارت إليها في سياق النقاش العام.
ورأت المدعية أن ما نشر يمثل تشهيرًا بها، وأنه ألحق ضررًا بسمعتها، فلجأت إلى القضاء للمطالبة بحماية حقوقها.
لكن المدعى عليهن اعترضن على الطريقة التي صيغت بها صحيفة الدعوى، وأثر ذلك في قدرة المحكمة على تحديد العبارات محل النزاع والوقائع التي تستند إليها المطالبة.
ما المتطلبات القانونية لدعوى التشهير؟
يشترط القانون البريطاني في دعاوى التشهير توافر عناصر محددة، من بينها أن يكون المنشور قد أحال إلى المدعي أو أشار إليه بصورة تسمح بتحديده، وأن يكون قد تسبب أو من المحتمل أن يتسبب في ضرر جسيم بسمعته.
ولا يكفي أن يشعر الشخص بالإهانة أو عدم الرضا عن منشور ما حتى تنجح دعوى التشهير، بل يتعين تقديم تفاصيل تساعد المحكمة على تحديد العبارة محل النزاع، والمعنى الذي تنطوي عليه، وطريقة ارتباطها بالمدعي، والضرر الذي يدعي وقوعه.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تطرح تحديات خاصة في هذا المجال، بسبب اختلاف طبيعة المنشورات والتعليقات وإعادة النشر والسياق الذي تظهر فيه العبارات.
ماذا قررت المحكمة؟
رأت المحكمة أن أجزاء أساسية من الدعوى لم تقدم بصورة مستوفية للمتطلبات الإجرائية، ولذلك قررت شطب الفقرات التي لم توضح على نحو كافٍ عناصر الإشارة إلى المدعية والضرر الجسيم والمعاني التي تدعي أن المنشورات تحملها.
لكنها رفضت في المقابل شطب الدعوى بالكامل باعتبارها إساءة لاستخدام إجراءات التقاضي.
وأوضحت المحكمة أن المدعية لا تزال أمامها فرصة أخيرة لتقديم صحيفة دعوى معدلة، وفق ما يسمح به القرار القضائي.
ويعني ذلك أن المحكمة لم تحسم ما إذا كانت الناشطات قد ارتكبن تشهيرًا بالفعل، ولم تقرر براءة المدعى عليهن من المسؤولية في الموضوع، وإنما تناولت في هذه المرحلة مدى كفاية صياغة المطالبة لتستمر الإجراءات.
لماذا رفضت المحكمة اعتبار الدعوى إساءة لاستخدام القضاء؟
تتصل هذه النقطة بالتوازن بين حق الشخص في حماية سمعته وحق الجمهور في متابعة القضايا ذات الاهتمام العام.
فالمحكمة لا تعتبر مجرد نشر المدعية تعليقات واسعة عن القضية على وسائل التواصل الاجتماعي سببًا كافيًا تلقائيًا لمنعها من اللجوء إلى القضاء.
كما أن مبدأ علانية الجلسات وحرية التعبير يسمحان بمناقشة القضايا العامة، مع بقاء الحدود القانونية التي تحمي الأفراد من التشهير.
وبالتالي، فإن وجود نقاش عام حاد حول ملف سلامة الأمهات لا يلغي حق المدعية في تقديم دعوى إذا توافرت شروطها، لكنه لا يعفيها أيضًا من الالتزام بالمتطلبات القانونية لصياغة المطالبة.
ما أهمية القضية للصحفيين والناشطين؟
تؤكد القضية أن النقد المتعلق بسلامة الخدمات الطبية أو أداء المؤسسات العامة قد يحظى بأهمية خاصة في النقاش العام، لكنه يظل خاضعًا للقواعد التي تحمي السمعة الشخصية.
كما توضح أن دعاوى التشهير يجب أن تكون محددة، وأن المحكمة لا تستطيع الفصل في ادعاءات عامة لا توضح بدقة ما الذي نشر، ومن المقصود به، وكيف وقع الضرر.
أما بالنسبة للأشخاص الذين يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي، فإن القضية تذكرهم بأن المشاركة في النقاشات العامة لا تمنح حصانة مطلقة من المسؤولية القانونية عن العبارات المنشورة.
الخلاصة
لم تحسم المحكمة البريطانية أصل دعوى التشهير في قضية Victoria Rixon، لكنها وضعت حدودًا واضحة لمتطلبات صياغة الدعوى، وشطبت الأجزاء التي لم تستوفِ تلك المتطلبات.
ويظل الملف مفتوحًا أمام المدعية لتقديم تعديل أخير، بينما تبرز القضية أهمية التوازن بين حماية السمعة وحرية التعبير في النقاشات المرتبطة بقضايا الصحة العامة.



