الدنمارك أمام اختبار قضائي جديد بشأن التمييز في الإسكان على أساس تصنيف السكان إلى غربيين وغير غربيين
بدأت المحكمة العليا الدنماركية نظر نزاع بشأن إنهاء عقود إيجار 91 وحدة سكنية، وسط جدل حول استخدام تصنيف «غير غربي» في سياسات الإسكان.
نزاع قضائي يختبر قانونًا مثيرًا للجدل في الدنمارك
بدأت المحكمة العليا الدنماركية في 6 نوفمبر 2026 نظر قضية تتعلق بإنهاء عقود إيجار في منطقة «نويسومهيد» بمدينة هلسنغور، وسط اتهامات بأن اختيار بعض الوحدات السكنية لإعادة تأهيلها استند إلى تصنيف السكان وفق خلفياتهم ذات الصلة بمفهوم «غير الغربيين».
وتحمل القضية أهمية تتجاوز النزاع بين المستأجرين والجهة المالكة للعقار؛ لأنها تطرح سؤالًا قانونيًا حول مدى توافق استخدام هذا التصنيف في قرارات الإسكان مع قواعد المساواة وحظر التمييز على أساس الأصل العرقي.
وتتعلق الدعوى بإنهاء عقود إيجار 91 وحدة سكنية، بعد خطة لإعادة تنظيم بعض المباني وتحويل وحدات إلى مساكن ملائمة لاحتياجات ذوي الإعاقة والحركة المحدودة. ويقول المستأجرون إن اختيار المباني والوحدات التي شملتها الإجراءات لم يكن محايدًا، وإن الوثائق المتعلقة بالخطة أشارت إلى استهداف سكان مصنفين ضمن فئة «غير الغربيين».
ومن المهم توضيح أن المحكمة بدأت نظر القضية ولم يصدر حكم نهائي فيها حتى تاريخ 6 نوفمبر 2026؛ ولذلك لا يجوز وصفها بأنها انتهت إلى إدانة الجهة المالكة أو إبطال القانون.
ما خلفية الخلاف حول منطقة نويسومهيد؟
تعود جذور النزاع إلى خطة تطوير وإعادة تنظيم سكنية في منطقة نويسومهيد، الواقعة بمدينة هلسنغور شمال كوبنهاغن.
وفي عام 2020، اتخذت الجهة المسؤولة عن إدارة الإسكان خطوات لإعادة تأهيل بعض المباني وتحويل وحدات إلى مساكن أكثر ملاءمة من ناحية سهولة الوصول والحركة.
لكن الخلاف نشأ حول اختيار العقارات التي شملتها الخطة، وما إذا كان هذا الاختيار قد تأثر بتركيبة السكان من حيث الخلفية العرقية أو التصنيف الحكومي الذي يستخدم مصطلح «غير غربي».
ويتمسك المدعون بأن إنهاء عقود إيجارهم لم يكن نتيجة معيار هندسي أو تخطيطي محايد فقط، بل ارتبط بتركيبة السكان في المنطقة، وهو ما قد يشكل تمييزًا محظورًا إذا ثبت أن الخلفية العرقية كانت سببًا مباشرًا أو غير مباشر في معاملتهم بصورة أقل تفضيلًا.
أما الجهة المقابلة، فتدور حججها حول طبيعة خطة إعادة التأهيل والإجراءات السكنية التي اتخذت، ومدى انطباق معايير التمييز القانوني على التصنيف المستخدم في السياسة العامة.
ما المقصود بتصنيف «الغربي» و«غير الغربي»؟
استخدمت السلطات الدنماركية تصنيفًا إداريًا يميز بين مجموعات من السكان وفق بلد المنشأ أو خلفية الوالدين، ويعد دولًا معينة ضمن الفئة الغربية، بينما يضع دولًا أخرى ضمن الفئة غير الغربية.
ويثير هذا التصنيف إشكالًا قانونيًا؛ لأنه لا يقتصر على الجنسية الحالية للفرد، بل قد يرتبط بمكان الميلاد وأصول الوالدين، بما يؤدي إلى إدراج أشخاص يحملون الجنسية الدنماركية ضمن فئة «غير الغربيين».
ويرى المعترضون على هذا النظام أن استخدامه في سياسات الإسكان قد يؤدي إلى معاملة مختلفة لسكان أحياء معينة بسبب خلفياتهم، حتى إذا لم يكن التصنيف يذكر العرق بصورة مباشرة.
وتكمن المسألة القانونية في تحديد ما إذا كان هذا المعيار الإداري يرتبط في الواقع بالأصل العرقي، وما إذا كان يؤدي إلى وضع فئة من السكان في ظروف أقل تفضيلًا من غيرها.
كيف يرتبط النزاع بقانون المجتمعات الموازية؟
تأتي القضية في سياق تشريع دنماركي صدر عام 2018، ويعرف في النقاش العام باسم قانون «الغيتوهات» أو قانون المجتمعات الموازية.
ويضع القانون معايير لتصنيف بعض المناطق السكنية، من بينها نسبة السكان المصنفين «غير غربيين»، إلى جانب مؤشرات أخرى تتعلق بالعمل والتعليم والدخل والجريمة.
وتترتب على إدراج بعض المناطق ضمن الفئات المحددة قانونًا التزامات لإعادة هيكلة الإسكان العام، وقد تشمل بيع وحدات أو هدمها أو إنهاء عقود إيجار أو تغيير طبيعة الاستخدام، بهدف تعديل التركيبة السكانية والسكنية للمنطقة.
وقد أثار القانون اعتراضات من سكان وجمعيات حقوقية، بسبب ما اعتبروه أثرًا تمييزيًا على مجموعات من السكان، خاصة عندما تؤدي معايير التصنيف إلى نقل أشخاص من مساكنهم أو إنهاء عقودهم.
لكن القضية التي تنظرها المحكمة العليا حاليًا تتعلق بمدى مشروعية إجراءات محددة في نويسومهيد، ولا ينبغي الخلط بينها وبين جميع الدعاوى الأخرى المتعلقة بقانون المجتمعات الموازية.
ما دور محكمة العدل الأوروبية في هذا الملف؟
سبق لمحكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي أن تناولت في ديسمبر 2025 مسألة قانونية مرتبطة بالتشريع الدنماركي، وأشارت إلى أن المحاكم الوطنية يتعين عليها فحص ما إذا كان استخدام معيار «غير غربي» يؤدي إلى معاملة مختلفة مرتبطة بالأصل العرقي.
ولا يعني ذلك أن محكمة العدل الأوروبية أبطلت القانون الدنماركي بصورة تلقائية، بل تركت للمحاكم الوطنية مهمة تطبيق المعايير الأوروبية على الوقائع المعروضة عليها وتحديد ما إذا كان هناك تمييز محظور.
وتكتسب هذه النقطة أهمية لأن القواعد الأوروبية للمساواة لا تقتصر على التصنيفات التي تذكر العرق صراحة، بل قد تتناول أيضًا المعايير التي تؤدي عمليًا إلى معاملة مختلفة على أساس يرتبط بالأصل العرقي.
ما الذي يمكن أن تقرره المحكمة العليا؟
تدور المسألة أمام المحكمة حول ما إذا كانت طريقة اختيار الوحدات السكنية وإجراءات إنهاء عقود الإيجار قد أدت إلى معاملة تمييزية، وما إذا كان استخدام معيار «غير غربي» في هذا السياق يرتبط بالأصل العرقي بالمعنى الذي تحميه القواعد القانونية.
وقد يكون للحكم أثر على النزاعات الأخرى التي تتعلق بقرارات إعادة هيكلة الإسكان العام، خصوصًا إذا انتهت المحكمة إلى أن التصنيف المستخدم يرتبط بالأصل العرقي ويؤدي إلى معاملة أقل تفضيلًا.
لكن من السابق لأوانه الجزم بأن المحكمة ستبطل قانون المجتمعات الموازية أو ستلغي جميع إجراءات الإخلاء التي اتخذت بموجبه؛ فذلك يتوقف على منطوق الحكم وحدود القضية والطلبات المعروضة.
أثر محتمل على حقوق المستأجرين
إذا انتهت المحكمة إلى وجود تمييز غير مشروع في اختيار الوحدات أو إنهاء عقود الإيجار، فقد يفتح ذلك المجال لمراجعة الإجراءات التي اتخذت في القضية، وقد يؤثر في طريقة تعامل الجهات السكنية مع الخطط المستقبلية.
أما إذا رفضت المحكمة الطعن، فسيكون لذلك أثر على تفسير القواعد الوطنية المتعلقة بالتصنيف السكاني وسياسات الإسكان، مع بقاء إمكانية استمرار النزاعات الأخرى وفق ظروفها وأسانيدها القانونية.
وفي كل الأحوال، تكشف القضية عن ضرورة أن تكون سياسات الإسكان قائمة على معايير موضوعية ومتناسبة، وأن تخضع للرقابة القضائية عندما يثار احتمال تأثيرها في حقوق فئات معينة من السكان.
لماذا تستحق القضية المتابعة؟
تستحق القضية المتابعة لأنها تجمع بين الحق في السكن ومبدأ المساواة وحظر التمييز، وتطرح سؤالًا حول حدود استخدام التصنيفات السكانية في السياسات العامة.
كما أن نتيجتها قد تؤثر في آلاف السكان الذين يعيشون في مناطق خضعت أو قد تخضع لخطط إعادة هيكلة الإسكان، لكن الأثر النهائي لن يتضح إلا بعد صدور الحكم وأسباب المحكمة.



