المحكمة الأوروبية تدين صربيا ومقدونيا الشمالية بسبب ترحيل طالب لجوء دون إجراءات قانونية
أدانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان صربيا ومقدونيا الشمالية في قضية ترحيل مواطن سوداني دون قرارات فردية أو فحص كافٍ لمخاطر تعرضه لسوء المعاملة.
حكم قضائي يكشف مخاطر الترحيل دون ضمانات
أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في 3 نوفمبر 2026، حكمًا في قضية «A.H. ضد صربيا ومقدونيا الشمالية»، انتهت فيه إلى وقوع انتهاكات إجرائية للمادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، بسبب ترحيل مواطن سوداني عبر الحدود دون اتباع إجراءات قانونية تضمن فحص المخاطر التي قد يتعرض لها.
وتناولت القضية عمليات إخراج فعلية من الأراضي الصربية إلى مقدونيا الشمالية، ثم من مقدونيا الشمالية إلى اليونان، دون صدور قرارات فردية تسمح بالطعن في الترحيل أو تتيح للمعني فرصة حقيقية لعرض أسباب خوفه من التعرض لمعاملة تتعارض مع حقوقه الأساسية.
وأكدت المحكمة أن مجرد نقل الشخص إلى الحدود وإجباره على عبورها لا يغني عن الإجراءات القانونية المطلوبة، وأن الدول مطالبة بتقييم المخاطر قبل إبعاده، خصوصًا عندما تكون هناك احتمالات جدية لتعرضه لسوء المعاملة.
كيف بدأت وقائع القضية؟
تعود القضية إلى مواطن سوداني تقدم بشكوى أمام المحكمة الأوروبية بشأن الطريقة التي تعاملت بها السلطات في صربيا ومقدونيا الشمالية مع وجوده على أراضيهما.
وبحسب الوقائع التي تناولها الحكم، تعرض الرجل لعمليات إخراج فعلية من صربيا إلى مقدونيا الشمالية، ثم جرى نقله لاحقًا إلى اليونان في ظروف لم تتضمن إجراءات قانونية كافية.
ولم تكن المشكلة التي بحثتها المحكمة مجرد انتقال الشخص بين الدول، بل الطريقة التي جرى بها ذلك الانتقال، إذ لم تصدر قرارات فردية تتيح له معرفة الأساس القانوني للإبعاد أو الاعتراض عليه، ولم يحصل على فرصة مناسبة لشرح المخاطر التي قد يتعرض لها في الدولة التي سينقل إليها.
وتكمن أهمية هذه التفاصيل في أن إجراءات اللجوء والترحيل لا يجوز اختزالها في مجرد عبور الحدود، لأن القرار قد تكون له آثار مباشرة على سلامة الشخص وحريته وإمكانية حصوله على الحماية الدولية.
ما المقصود بمبدأ عدم الإعادة القسرية؟
يعد مبدأ عدم الإعادة القسرية من المبادئ الأساسية في القانون الدولي لحماية اللاجئين وحقوق الإنسان.
ويعني هذا المبدأ عدم إعادة شخص إلى دولة توجد فيها أسباب جدية للاعتقاد بأنه قد يتعرض للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو غيرها من المخاطر المحظورة.
ولا يقتصر الالتزام على الحالات التي تصدر فيها الدولة قرارًا رسميًا مكتوبًا بالترحيل، بل قد يمتد إلى عمليات الإبعاد الفعلية التي تتم دون إجراءات معلنة، إذا كان من شأنها تعريض الشخص لخطر محظور.
ومن هنا، لا يجوز للسلطات تجاوز فحص المخاطر بحجة أن الشخص لم يتقدم بطلب لجوء في الوقت المناسب، إذا كانت الظروف المحيطة بعملية نقله لم تمنحه فرصة حقيقية ومستنيرة لتقديم الطلب.
ماذا قالت المحكمة عن مسؤولية صربيا؟
رأت المحكمة أن السلطات الصربية أخرجت مقدم الطلب إلى مقدونيا الشمالية دون قرار فردي يجيز الإبعاد، ودون اتباع إجراء يسمح له بالطعن في الوجهة أو عرض المخاطر التي قد يتعرض لها.
وأوضحت أن نقله إلى الحدود وطلب عبورها لم يوفر الضمانات الإجرائية اللازمة لحمايته من الإعادة إلى مكان قد يتعرض فيه لمعاملة محظورة بموجب الاتفاقية.
وبناءً على ذلك، اعتبرت المحكمة أن صربيا لم تفِ بالتزامها الإجرائي بموجب المادة الثالثة، التي تفرض على الدول تقييم المخاطر ذات الصلة قبل تنفيذ الإبعاد.
ماذا عن مسؤولية مقدونيا الشمالية؟
تناولت المحكمة أيضًا ما حدث بعد وصول مقدم الطلب إلى مقدونيا الشمالية، حيث جرى نقله إلى اليونان بسرعة شديدة، دون صدور قرار إبعاد أو إجراء قانوني يوفر ضمانات كافية ضد الترحيل غير المشروع.
ورأت المحكمة أن السلطات لم تجرِ تقييمًا مسبقًا للمخاطر التي قد يواجهها الشخص، وأن الطريقة التي جرى بها إخراجه لم تضمن له فرصة مناسبة للحصول على الحماية أو اتخاذ قرار واعٍ بشأن طلب اللجوء.
وهكذا لم تقصر المحكمة مسؤولية الانتهاك على الدولة الأولى التي نقلته عبر الحدود، بل بحثت سلوك كل دولة على حدة وفق الوقائع والالتزامات القانونية التي تقع عليها.
هل يحق للدولة ترحيل شخص لمجرد عدم تقديمه طلب لجوء؟
لا يمكن اعتبار عدم تقديم طلب اللجوء سببًا كافيًا في جميع الأحوال لتجاوز الضمانات القانونية.
فالمحكمة أوضحت في القضية أن الشخص لم يحصل على فرصة مناسبة ولا على معلومات كافية تسمح له باتخاذ قرار مستنير بشأن التقدم بطلب حماية في مقدونيا الشمالية.
وبالتالي، فإن عدم تقديم الطلب في ظروف لا تتيح للشخص فهم حقوقه أو الوصول إلى الإجراءات القانونية لا يعفي السلطات تلقائيًا من التزاماتها.
التعويض والنتائج القانونية
قضت المحكمة بإلزام كل من صربيا ومقدونيا الشمالية بدفع 7500 يورو لمقدم الطلب عن الضرر غير المادي، وفق الشروط والمواعيد المحددة في الحكم، مع الفوائد القانونية عند التأخر في السداد بعد استحقاق الالتزام.
ولا يعني الحكم أن المحكمة منحت الشخص إقامة تلقائية في الدولتين، أو أنها أصدرت قرارًا بمنحه صفة لاجئ، وإنما يتعلق بإثبات انتهاكات إجرائية في طريقة إبعاده، وبالتعويض عن الضرر الذي لحق به.
الخلاصة
أكد حكم «A.H. ضد صربيا ومقدونيا الشمالية» أن الدول لا تستطيع تنفيذ عمليات الإبعاد عبر الحدود دون إجراءات قانونية تضمن فحص المخاطر واحترام حقوق الأشخاص المعنيين.
ويبرز القرار أن حماية طالب اللجوء لا تتوقف على وجود قرار رسمي بالترحيل، بل تشمل أيضًا منع عمليات الإخراج الفعلية التي تحرمه من الضمانات الأساسية التي يفرضها القانون الدولي.



