المحكمة العليا الأسترالية تُلزم أوبر بدفع 81 مليون دولار في قضية مستحقات السائقين
رفضت المحكمة العليا الأسترالية طعن أوبر وأيدت اعتبار المبالغ المحولة إلى السائقين أجورًا خاضعة للضريبة، في حكم قد يؤثر على شركات اقتصاد المنصات.
حكم قضائي يتجاوز النزاع المالي إلى طبيعة العلاقة بين المنصة والسائق
أصدرت المحكمة العليا الأسترالية في 4 نوفمبر 2026 حكمًا برفض الطعن الذي قدمته شركة أوبر ضد مطالبتها بسداد ضريبة أجور عن المبالغ التي حولتها إلى السائقين خلال السنوات المالية من 2015 إلى 2020، لتؤيد بذلك حكمًا سابقًا اعتبر أن العلاقة التعاقدية بين الشركة والسائقين تدخل ضمن نطاق القواعد المنظمة للضريبة على الأجور في ولاية نيو ساوث ويلز.
وجاء القرار بأغلبية ستة قضاة مقابل قاضٍ واحد، وانتهى إلى أن المبالغ التي تجمعها أوبر من الركاب ثم تحولها إلى السائقين مقابل تنفيذ الرحلات يمكن اعتبارها أجورًا لأغراض تطبيق قانون ضريبة الأجور المحلي، رغم أن السائقين لا يعملون بالضرورة وفق نموذج الموظف التقليدي.
وتبلغ المطالبة الضريبية محل النزاع نحو 81 مليون دولار أسترالي، وهي قيمة ترتبط بالمبالغ التي جرى تحويلها إلى السائقين خلال الفترة المحددة، وليس بحكم تعويض مدني لصالح السائقين أنفسهم. وهذه نقطة مهمة عند تناول القضية؛ لأن النزاع يتعلق بالتزامات الشركة تجاه السلطات الضريبية، وليس بحكم قضائي يمنح السائقين مبلغًا ماليًا إضافيًا.
كيف بدأت القضية بين أوبر والسلطات الضريبية؟
بدأ الخلاف عندما طالبت السلطات المختصة في ولاية نيو ساوث ويلز شركة أوبر بسداد ضريبة أجور عن المدفوعات التي كانت تحولها إلى السائقين، معتبرة أن الاتفاقيات التي تربط الشركة بالسائقين تدخل ضمن مفهوم «العقود ذات الصلة» الوارد في قانون ضريبة الأجور لعام 2007.
واعترضت الشركة على هذا التفسير، وتمسكت بأن دورها الأساسي يتمثل في تشغيل تطبيق إلكتروني يربط بين الراكب والسائق، وأنها لا تقدم خدمة النقل بنفسها، ولا تعتبر المبالغ التي تحولها إلى السائقين أجورًا مقابل عمل تؤديه لحسابها.
كما دفعت أوبر بأن دورها في تحصيل قيمة الرحلة وتحويلها إلى السائق بعد خصم رسوم الخدمة لا يجعلها صاحبة العمل الذي يؤديه السائق، واعتبرت أن المبالغ المحولة ليست سوى مدفوعات تمر عبر نظامها الإلكتروني.
لكن النزاع انتقل عبر درجات التقاضي، بعدما أصدرت محكمة الاستئناف في نيو ساوث ويلز حكمًا لصالح السلطات الضريبية، ثم رفضت المحكمة العليا الأسترالية الطعن المقدم من الشركة.
لماذا اعتبرت المحكمة أن السائقين يقدمون خدمات لأوبر؟
ركزت المحكمة على طبيعة الالتزامات التي تنشأ بموجب الاتفاقيات بين الشركة والسائقين، بدلًا من الاكتفاء بالوصف الذي تستخدمه المنصة لنفسها باعتبارها وسيطًا إلكترونيًا.
ورأت الأغلبية أن السائقين يقدمون خدمات نقل تدخل في إطار نموذج أعمال أوبر، وأن تنفيذ الرحلات بعد قبول طلب الراكب يرتب التزامات تعاقدية لا تتعلق بالراكب وحده، بل ترتبط أيضًا بالشركة وطريقة تشغيلها للخدمة.
ومن العناصر التي أخذتها المحكمة في الاعتبار أن أوبر تعتمد على الرحلات التي ينفذها السائقون لتوليد إيراداتها من رسوم الخدمة، وأن الشركة تتحكم في جوانب مهمة من عملية تحصيل المقابل المالي وتحديده وتحويله، بما في ذلك إمكانية إجراء خصومات أو تعديلات قبل وصول الأموال إلى السائق.
وبناءً على ذلك، لم تقبل المحكمة تصوير العلاقة على أنها مجرد عملية دفع إدارية لا ترتبط بأداء العمل. فوجود تطبيق إلكتروني أو وصف السائق بأنه متعاقد مستقل لا يحسم وحده طبيعة العلاقة القانونية، إذا كانت الالتزامات الفعلية وطريقة تشغيل النشاط تكشفان عن علاقة تدخل ضمن نطاق النص التشريعي.
هل يعني الحكم أن سائقي أوبر أصبحوا موظفين؟
لا يصح استخلاص هذه النتيجة من الحكم. فالمحكمة لم تصدر قرارًا عامًا بتحويل جميع سائقي أوبر إلى موظفين بالمعنى التقليدي لقوانين العمل، ولم يكن النزاع المعروض عليها متعلقًا بجميع الحقوق العمالية أو التأمينات أو الإجازات.
المسألة التي فصلت فيها المحكمة كانت محددة، وتتعلق بتطبيق أحكام قانون ضريبة الأجور في ولاية نيو ساوث ويلز على العقود والمدفوعات التي كانت محل النزاع.
وهذا التمييز ضروري؛ لأن تصنيف العامل قد يختلف من قانون إلى آخر، وقد يعتبر الشخص متعاقدًا مستقلًا في سياق معين، بينما تخضع المدفوعات التي يحصل عليها لقواعد ضريبية خاصة إذا توافرت شروطها.
وبالتالي، فإن الحكم لا يمنح السائقين تلقائيًا جميع الحقوق التي يحصل عليها الموظفون، ولا يغير وحده كل العقود القائمة بين المنصة والسائقين، لكنه يقدم تفسيرًا قضائيًا مهمًا لطبيعة العقود التي تستخدمها شركات المنصات الرقمية.
ماذا عن حجة استخدام السيارة باعتبارها العنصر الأساسي في الخدمة؟
دفعت أوبر بأن خدمة القيادة ترتبط باستخدام السيارة التي يملكها السائق، وأن العمل الذي يؤديه السائق يمكن اعتباره تابعًا لاستخدام المركبة، بما يتيح الاستفادة من استثناء قانوني يتعلق بالخدمات الملحقة باستخدام السلع.
لكن المحكمة رفضت هذا التفسير، واعتبرت أن الهدف الأساسي من الترتيبات التعاقدية هو تقديم خدمة النقل، وليس مجرد إتاحة سيارة للراكب أو استخدام مركبة بوصفها سلعة.
ورأت الأغلبية أن السائق والسيارة لا يمكن التعامل مع أحدهما باعتباره عنصرًا عرضيًا أو تابعًا للآخر في هذه العلاقة، لأن الخدمة التي يعتمد عليها نموذج الأعمال هي تنفيذ عملية النقل نفسها.
ويكشف هذا الجانب من الحكم عن أهمية فحص طبيعة النشاط الاقتصادي في الواقع، بدلًا من الاكتفاء بصياغة تعاقدية تحاول وضع العلاقة ضمن استثناء معين.
ما تأثير الحكم على شركات اقتصاد المنصات؟
قد يمتد تأثير الحكم إلى شركات أخرى تعتمد على التعاقد مع مقدمي خدمات مستقلين عبر التطبيقات والمنصات الرقمية، خاصة في قطاعات النقل والتوصيل والخدمات المنزلية والوساطة الإلكترونية.
فالشركات التي تعتمد على نموذج مشابه قد تحتاج إلى مراجعة عقودها وطريقة توزيع الأدوار بين المنصة ومقدمي الخدمة، وكذلك آليات تحصيل الأموال وتحويلها والرسوم التي تخصمها من كل عملية.
لكن لا يعني ذلك أن كل منصة رقمية ستخضع تلقائيًا للنتيجة نفسها؛ لأن تطبيق الحكم يتوقف على نص القانون المحلي وطبيعة العلاقة التعاقدية والوقائع الخاصة بكل نشاط.
كما أن القرار صدر في إطار قانون ولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية، ولذلك لا يجوز اعتباره حكمًا ملزمًا بصورة مباشرة في دول أخرى، وإن كان قد يشكل مرجعًا مهمًا عند مناقشة تنظيم اقتصاد المنصات.
دلالة الحكم على مستقبل العمل عبر التطبيقات
تؤكد القضية أن التطور التكنولوجي لا يمنح الشركات حق تجاهل القواعد القانونية التي تنظم النشاط الاقتصادي، وأن استخدام التطبيقات والوساطة الرقمية لا يمنع المحاكم من فحص العلاقة الحقيقية بين أطراف التعامل.
كما تبرز أهمية عدم الخلط بين الاستقلال التعاقدي للعامل وبين طبيعة المدفوعات التي يحصل عليها، لأن كل مسألة قد تخضع لاختبار قانوني مختلف.
وبذلك يمثل حكم المحكمة العليا الأسترالية تطورًا مهمًا في تنظيم اقتصاد المنصات، ويضع الشركات أمام ضرورة مراجعة نماذجها التعاقدية والمالية، خاصة عندما تعتمد بصورة أساسية على خدمات يقدمها أفراد عبر تطبيقاتها.



