القضاء البريطاني يرفض طعون شركات التكنولوجيا ضد طلبات جمع البيانات الخاصة بسلامة المستخدمين
رفضت المحكمة العليا البريطانية طعون شركات ميتا وتيك توك وإكس ضد طلبات هيئة أوفكوم للحصول على بيانات تتعلق بسلامة المستخدمين ومحتوى المنصات.
حكم قضائي يحدد حدود صلاحيات الرقابة الرقمية
أصدرت المحكمة العليا في إنجلترا وويلز حكمًا في 30 أكتوبر 2026 برفض الطعون التي تقدمت بها شركات تكنولوجية كبرى، من بينها ميتا وتيك توك وإكس، ضد طلبات هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية «أوفكوم» للحصول على بيانات ومعلومات تتعلق بعمل المنصات الرقمية ومدى التزامها بقواعد السلامة على الإنترنت.
وتعد القضية من أبرز النزاعات القضائية التي اختبرت تطبيق قانون السلامة على الإنترنت البريطاني لعام 2023، خاصة ما يتعلق بسلطة الجهة التنظيمية في إلزام الشركات بتقديم معلومات تساعدها على تقييم المخاطر الرقمية ومراقبة التزام الخدمات الخاضعة للرقابة بالواجبات القانونية.
وتبرز أهمية الحكم في أنه يضع إطارًا لتوازن دقيق بين صلاحيات الجهات التنظيمية في جمع المعلومات وبين حقوق الشركات في حماية بياناتها ومصالحها التجارية، إلى جانب ضرورة ألا تتجاوز الطلبات الحدود التي يسمح بها القانون.
ما طبيعة المعلومات التي طلبتها «أوفكوم»؟
تعود القضية إلى إشعارات أصدرتها الهيئة التنظيمية في 10 فبراير 2026، وطلبت بموجبها من شركات رقمية تقديم معلومات تتعلق بآليات إدارة المحتوى والإشراف عليه، ومن بينها بيانات عن المنشورات التي حُذفت أو جرى تقييد ظهورها، ومدى تعرض المستخدمين لمحتوى ضار، ومؤشرات أخرى تساعد على فهم طبيعة المخاطر الموجودة على المنصات.
وكان الهدف من هذه المعلومات، بحسب الإطار الذي عرضته الهيئة، هو تكوين صورة أوضح عن حجم المشكلات المرتبطة بالسلامة الرقمية، وتحديد أولويات الرقابة، وتقييم مدى فاعلية الإجراءات التي تتخذها الشركات لحماية المستخدمين.
لكن الشركات المعنية اعترضت على نطاق الطلبات، واعتبرت أن حجم البيانات المطلوبة يثير تساؤلات بشأن مدى ضرورتها وتناسبها مع الغرض التنظيمي، كما طعنت في قانونية بعض الإجراءات المرتبطة بإصدار الإشعارات.
ما الأساس القانوني الذي استندت إليه الهيئة؟
استندت «أوفكوم» إلى المادة 100 من قانون السلامة على الإنترنت لعام 2023، التي تمنحها صلاحية طلب المعلومات اللازمة لممارسة وظائفها التنظيمية أو لتحديد ما إذا كان يتعين عليها ممارسة إحدى تلك الوظائف.
وتسمح المادة للهيئة، وفق شروط القانون، بأن تطلب من الجهات المشمولة تقديم معلومات أو الحصول عليها أو إعدادها، كما تتضمن صلاحيات تتعلق بإتاحة بعض البيانات والاطلاع على الخدمات الرقمية في نطاق الاختصاص المحدد.
ويكتسب هذا النص أهمية لأنه لا يقصر جمع المعلومات على الحالات التي تكون فيها الهيئة قد قررت بالفعل اتخاذ إجراء رقابي محدد، بل يمتد أيضًا إلى المعلومات اللازمة لتحديد ما إذا كان ينبغي ممارسة صلاحية تنظيمية من الأساس.
وهذا المعنى كان من النقاط الأساسية التي تناولتها المحكمة عند بحث اعتراضات الشركات، إذ رفضت تفسيرًا كان من شأنه تضييق صلاحية الهيئة إلى حد اشتراط وجود مهمة رقابية نهائية ومحددة قبل طلب البيانات.
لماذا رفضت المحكمة طعون الشركات؟
تناولت المحكمة عددًا من المسائل القانونية، من بينها ما إذا كانت المعلومات المطلوبة تدخل في نطاق الوظائف التي يسمح القانون للهيئة بممارستها، وما إذا كانت الإشعارات قد صدرت لتحقيق غرض قانوني، وما إذا كانت هناك مخالفات تتعلق بتقييم الأثر أو التناسب أو وجود انحياز مسبق في اتخاذ القرار.
وخلصت المحكمة إلى رفض الطعون في جوهرها، واعتبرت أن الهيئة كانت تملك أساسًا قانونيًا لطلب المعلومات في إطار وظائفها المتعلقة بالسلامة على الإنترنت.
كما أوضحت أن القانون لا يشترط بالضرورة أن تكون لدى الهيئة مهمة تنظيمية واحدة محددة بصورة نهائية قبل طلب البيانات، لأن جمع المعلومات قد يكون ضروريًا لفهم طبيعة المخاطر وتحديد التدابير المناسبة مستقبلًا.
وفي المقابل، لم تمنح المحكمة الهيئة صلاحية مطلقة أو غير محدودة؛ إذ تناول الحكم شرط التناسب الوارد في المادة 100، باعتباره آلية رقابية مهمة تمنع استخدام صلاحيات جمع المعلومات بصورة تتجاوز ما يتطلبه الغرض القانوني.
وبذلك يظل طلب المعلومات خاضعًا لضرورة وجود غرض تنظيمي مشروع، وأن تكون المعلومات المطلوبة مرتبطة بهذا الغرض، وألا يتجاوز نطاق الطلب الحدود التي يجيزها القانون.
ماذا يعني الحكم بالنسبة إلى شركات التكنولوجيا؟
يعني الحكم أن المنصات الرقمية العاملة في بريطانيا لا تستطيع رفض طلبات المعلومات التنظيمية لمجرد أن جمع البيانات يفرض عليها أعباء تشغيلية أو إدارية، ما دام الطلب يستند إلى صلاحية قانونية ويستوفي الشروط التي حددها التشريع.
كما يوضح أن الشركات مطالبة بالاستعداد لتقديم بيانات تفصيلية تساعد الجهة التنظيمية على فهم كيفية إدارة المحتوى، وطريقة التعامل مع البلاغات، ومدى تعرض المستخدمين للمحتوى الضار، وغيرها من المؤشرات التي قد ترتبط بالتزامات السلامة الرقمية.
لكن ذلك لا يعني أن الهيئة تستطيع طلب أي بيانات دون ضوابط؛ إذ تظل الشركات قادرة على الاعتراض قانونيًا إذا رأت أن طلبًا معينًا يفتقر إلى الغرض المشروع أو يتجاوز حدود التناسب أو يخالف الحقوق التي يحميها القانون.
حماية الأطفال والمستخدمين في قلب التنظيم الرقمي
يرتبط قانون السلامة على الإنترنت البريطاني بمحاولة وضع إطار أكثر صرامة لمواجهة المخاطر التي قد يتعرض لها المستخدمون عبر الخدمات الرقمية، ومن بينها المحتوى غير القانوني والمحتوى الضار بالأطفال.
وتحتاج الجهات التنظيمية إلى بيانات دقيقة حتى تتمكن من تقييم ما إذا كانت المنصات تتخذ تدابير مناسبة، وما إذا كانت أنظمة الإشراف تعمل بصورة فعالة، وما إذا كانت بعض المخاطر تتطلب تدخلًا إضافيًا.
ومن دون معلومات قابلة للفحص، قد يصبح من الصعب تحديد مدى التزام الشركات بالقواعد، أو تقييم ما إذا كانت إجراءاتها المعلنة تنعكس فعليًا على تجربة المستخدمين.
ومع ذلك، فإن تحقيق السلامة الرقمية لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لجمع بيانات بلا حدود، بل يتطلب الالتزام بمبادئ الضرورة والتناسب والشفافية، وحماية الحقوق المرتبطة بالخصوصية وحرية التعبير.
هل يفتح الحكم الباب أمام رقابة أوسع على المنصات؟
من المرجح أن يعزز الحكم قدرة «أوفكوم» على طلب المعلومات من الخدمات الرقمية في إطار اختصاصاتها، لكنه لا يعني أن كل طلب مستقبلي سيكون صحيحًا تلقائيًا، لأن كل إشعار قد يثير مسائل مختلفة تتعلق بنوع البيانات والغرض من جمعها وطريقة استخدامها.
كما أن الحكم لا يثبت وجود مخالفة من جانب الشركات لمجرد أنها طعنت على طلبات المعلومات؛ فالنزاع كان متعلقًا بمدى قانونية الإشعارات وصلاحية الهيئة في إصدارها، وليس حكمًا نهائيًا بإدانة المنصات في جميع مسائل السلامة الرقمية.
وتكشف القضية عن تحول مهم في العلاقة بين شركات التكنولوجيا والجهات التنظيمية، إذ لم تعد الرقابة تعتمد فقط على البيانات التي تختار الشركات نشرها طوعًا، بل باتت القوانين تمنح الجهات المختصة أدوات أوسع للحصول على معلومات تفصيلية، مع إخضاع تلك الأدوات للرقابة القضائية.



