إيطاليا تحقق في شبكة متهمة بملاحقة معارض صيني وتهديده داخل أوروبا
أنهى الادعاء العام في ميلانو تحقيقًا مع 10 أشخاص يشتبه في تورطهم بمراقبة وتهديد المعارض الصيني لي يينغ، في قضية تثير أسئلة قانونية حول حماية النشطاء في الخارج.
فتح تحقيق الادعاء العام في مدينة ميلانو الإيطالية ملفًا قانونيًا حساسًا يتعلق باتهامات بملاحقة معارض صيني مقيم في إيطاليا، ومراقبة تحركاته وتهديده ومحاولة الضغط على محيطه العائلي، في قضية تشمل 10 أشخاص، بينهم ثمانية مواطنين صينيين وإيطاليان.
وتتعلق القضية بالناشط والفنان الصيني لي يينغ، المعروف باسم «المعلم لي»، الذي يستخدم حسابه على منصة إكس لنشر مواد مصورة وتقارير عن أحداث داخل الصين، بما في ذلك احتجاجات وتطورات سياسية واجتماعية لا تحظى بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الصينية الرسمية.
وأعلنت السلطات الإيطالية انتهاء مرحلة التحقيقات وإخطار المشتبه بهم بإغلاق التحقيق، بما يمنحهم فرصة أخيرة للرد على الاتهامات قبل اتخاذ قرار بشأن إحالة القضية إلى المحاكمة. ولا يعني انتهاء التحقيق أن جميع المتهمين أصبحوا مدانين، إذ تظل الاتهامات خاضعة للإجراءات القضائية وقرينة البراءة حتى صدور أحكام نهائية.
من هو لي يينغ ولماذا أصبح محور القضية؟
يقيم لي يينغ في إيطاليا منذ عام 2015، واكتسب شهرة واسعة بعد نشره مواد عن الاحتجاجات التي شهدتها الصين خلال عام 2022 اعتراضًا على القيود الصارمة المرتبطة بسياسة مكافحة فيروس كورونا آنذاك.
ويتابع حسابه على منصة إكس أكثر من 2.2 مليون شخص، وفق البيانات التي أوردتها رويترز، ويعتمد في نشر محتواه على صور ومقاطع فيديو ورسائل يرسلها إليه أشخاص من داخل الصين.
وتكمن حساسية القضية في أن نشاطه لا يقتصر على التعبير عن آرائه الشخصية، بل يتضمن نشر معلومات يرسلها أفراد من داخل البلاد عن احتجاجات وأحداث سياسية واجتماعية، وهو ما جعل حسابه مصدرًا يتابعه مستخدمون يبحثون عن معلومات لا تظهر عادة في التغطيات الرسمية.
وقال لي إنه تعرض، إلى جانب أفراد من عائلته ومتابعيه، لمضايقات وتهديدات على مدار سنوات بسبب نشاطه الإعلامي، ورحب بالتحقيق الإيطالي باعتباره خطوة لمحاسبة المسؤولين عن تلك الأفعال.
كيف بدأت التحقيقات الإيطالية؟
بحسب ما أوردته وثائق التحقيق التي اطلعت عليها رويترز، بدأت القضية بعد واقعة حدثت في مدينة تورينو خلال أكتوبر 2024، عندما رصد لي شخصًا يكتب كلمة تهديدية على جدار مجاور لمسكنه.
وأدى الحادث إلى فتح مسار للتحقيق في احتمال وجود حملة منظمة لمراقبة الناشط، بدلًا من التعامل مع الواقعة باعتبارها تصرفًا فرديًا معزولًا.
وتقول النيابة الإيطالية إن التحقيقات كشفت عن تحركات متكررة لأشخاص في محيط أماكن كان يُعتقد أن لي يقيم فيها، شملت تصوير مداخل المباني ومراقبة الشوارع من المقاهي القريبة، والبحث في صناديق القمامة، وجمع معلومات من السكان، وتتبع تحركاته بين المدن.
وتشير وثائق التحقيق إلى أن أحد المشتبه بهم جمع أكثر من أربعة آلاف صورة و35 مقطع فيديو مرتبطًا بعمليات المراقبة المزعومة. كما تحدثت الوثائق عن رسائل تهديد تلقاها لي عبر وسائل التواصل والبريد الإلكتروني، تضمنت عبارات تهدد حياته، وصورًا لأسلحة.
ما الاتهامات التي تواجه المشتبه بهم؟
أبلغ المدعون العامون في ميلانو عشرة أشخاص بانتهاء التحقيق معهم، بينهم ثمانية صينيين وإيطاليان، بعد استكمال جمع الأدلة المتعلقة بالوقائع المشتبه في حدوثها.
وتقول النيابة إن أربعة من المشتبه بهم قد يواجهون اتهامًا بالانتماء إلى جمعية إجرامية، يُزعم أنها استهدفت منع المعارضين الصينيين من التواصل وممارسة حقهم في حرية التعبير.
وبحسب القانون الإيطالي، قد تصل العقوبة المقررة لجريمة تكوين جمعية إجرامية في الظروف التي يجري بحثها إلى سبع سنوات من السجن، لكن تحديد المسؤولية والعقوبة يتوقف على ما يثبت أمام المحكمة، ولا يجوز اعتبار هذا الحد الأقصى حكمًا صدر بالفعل بحق أي من الأشخاص محل التحقيق.
كما تتضمن الاتهامات المزعومة وجود أشخاص تولوا تنظيم عمليات المراقبة وتجنيد آخرين لمتابعة لي، مع مزاعم بشأن تقديم مقابل مالي لبعض المشاركين في تتبع تحركاته.
وتظل هذه التفاصيل جزءًا من رواية الادعاء العام، ويحق للمشتبه بهم تقديم ردودهم وأدلتهم قبل اتخاذ قرار الإحالة للمحاكمة.
هل تتعلق القضية بالتجسس أم بحرية التعبير؟
تتجاوز القضية مسألة المراقبة التقليدية، لأنها تطرح سؤالًا قانونيًا بشأن احتمال استخدام أفراد أو شبكات داخل دولة أوروبية للضغط على شخص بسبب آرائه ونشاطه الإعلامي المرتبط بدولة أخرى.
ويختلف التوصيف القانوني بحسب الأدلة التي تثبتها النيابة، فقد تتعلق بعض الأفعال بالملاحقة والتهديد وانتهاك الخصوصية، بينما قد تثير الوقائع الأوسع تساؤلات حول وجود تنظيم إجرامي أو علاقات مع جهات خارجية.
لكن من المهم عدم وصف القضية بأنها حكم قضائي مثبت بالتجسس لصالح دولة أجنبية؛ فالتحقيق يتضمن ادعاءات بشأن صلات محتملة بأجهزة صينية، ولم يصدر حكم نهائي يثبت هذه الصلات.
وتقول النيابة إن اثنين من المشتبه بهم الرئيسيين يُشتبه في تصرفهما لحساب الشرطة الصينية، مع وجود اتصالات مزعومة بدبلوماسيين صينيين وأعضاء في إدارة العمل التابعة للجبهة المتحدة بالحزب الشيوعي الصيني.
وفي المقابل، نفت وزارة الخارجية الصينية وجود ما وصفته بـ«القمع العابر للحدود»، وقالت إن بكين تلتزم بسيادة القانون وحماية الحقوق والمصالح المشروعة لمواطنيها في الخارج.
ما المقصود بالملاحقة العابرة للحدود؟
يشير مصطلح الملاحقة العابرة للحدود إلى استخدام التهديد أو المراقبة أو الضغط أو وسائل أخرى لاستهداف أشخاص خارج حدود الدولة التي ينتمون إليها، بسبب نشاطهم السياسي أو الإعلامي أو الحقوقي.
وقد تتخذ هذه الممارسات صورًا متعددة، مثل مراقبة تحركات الناشطين، أو تهديد أفراد عائلاتهم الموجودين داخل الدولة الأصلية، أو نشر معلومات شخصية عنهم، أو محاولة التأثير على نشاطهم العام.
ويثير هذا النوع من القضايا تحديات قانونية أمام الدول التي يقيم فيها المستهدفون، لأن السلطات تحتاج إلى حماية الأشخاص الموجودين على أراضيها، والتحقيق في أي جرائم تقع داخل اختصاصها، مع مراعاة قواعد التعاون القضائي الدولي وعدم توجيه اتهامات إلى جهات أجنبية دون أدلة كافية.
ماذا تعني الخطوة المقبلة في التحقيق؟
إخطار المشتبه بهم بانتهاء التحقيق يمنحهم فرصة للاطلاع على الاتهامات والأدلة والرد عليها وفق الإجراءات الإيطالية. وبعد ذلك يقرر الادعاء العام ما إذا كانت الأدلة كافية لطلب إحالة المتهمين إلى المحاكمة، أو ما إذا كانت هناك أسباب قانونية تستدعي مسارًا آخر.
وإذا وصلت القضية إلى المحكمة، فسيكون على الادعاء إثبات الوقائع ونسبة الأفعال إلى كل متهم على حدة، بدلًا من افتراض المسؤولية الجماعية لمجرد وجود صلات أو علاقات بين الأشخاص.
كما سيكون على القضاء تقييم الأدلة الرقمية والصور والرسائل والاتصالات، ومدى ارتباطها بالوقائع محل الاتهام، ومدى قانونية الحصول عليها واستخدامها في الدعوى.
خاتمة
تسلط القضية الإيطالية الضوء على التحديات القانونية التي تواجه الدول الأوروبية في حماية النشطاء والصحفيين المقيمين على أراضيها من الملاحقة والتهديد. لكنها تظل في مرحلة ما قبل المحاكمة، ولا يجوز اعتبار الاتهامات أحكامًا نهائية. وستحدد الإجراءات القضائية المقبلة ما إذا كانت الأدلة تكفي لإثبات وجود شبكة منظمة، وما إذا كان بعض المشتبه بهم قد تصرفوا بتوجيه من جهات خارجية أم لا.



