احتجاجات ضد مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في أوروبا.. مخاوف من استهلاك الكهرباء والمياه وتراجع الرقابة
اقتحم أكثر من 100 ناشط موقع إنشاء مركز بيانات تابع لمايكروسوفت في أمستردام، ضمن احتجاجات أوروبية تطالب بتنظيم التوسع في مراكز البيانات بسبب استهلاك الطاقة والمياه.
احتجاجات أوروبية ضد التوسع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي
شهدت مدينة أمستردام الهولندية تحركًا احتجاجيًا جديدًا ضد التوسع في إنشاء مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، بعدما دخل أكثر من 100 ناشط إلى موقع إنشاء مركز بيانات تابع لشركة مايكروسوفت، وتسلق بعضهم الرافعات داخل الموقع، في خطوة جاءت ضمن تحركات أوسع نظمتها مجموعة «أوقفوا مراكز البيانات الملوثة» في 16 دولة.
ويعكس الاحتجاج تصاعد النقاش الأوروبي بشأن التكلفة البيئية والاقتصادية للتوسع السريع في البنية التحتية الرقمية، خاصة مع زيادة الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، وما تحتاج إليه هذه الخدمات من مراكز بيانات ضخمة تعمل على مدار الساعة.
ويقول المحتجون إن التوسع في هذه المنشآت قد يضغط على شبكات الكهرباء والمياه، ويزيد المنافسة على الأراضي والموارد، ويضع أهداف خفض الانبعاثات أمام تحديات إضافية. وفي المقابل، ترى شركات التكنولوجيا أن مراكز البيانات تمثل بنية أساسية ضرورية لتطوير الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وأن وقف التوسع فيها قد يضعف قدرة أوروبا على المنافسة عالميًا.
ماذا حدث في موقع مايكروسوفت بأمستردام؟
دخل أكثر من 100 ناشط إلى موقع إنشاء مركز بيانات تابع لمايكروسوفت في أمستردام يوم الجمعة 6 نوفمبر 2026، وصعد بعضهم إلى الرافعات الموجودة بالموقع، بينما تابعت الشرطة الموقف.
وجاء التحرك ضمن يومين من الاحتجاجات التي خطط لها ائتلاف «أوقفوا مراكز البيانات الملوثة»، والذي دعا إلى تعليق مشروعات الإنشاء الكبرى لحين وضع قواعد أوضح لتنظيم القطاع.
وشملت التحركات المعلنة مدنًا ومناطق في 16 دولة، مع خطط لتنظيم احتجاجات في دبلن ووارسو والدنمارك، بحسب المعلومات المنشورة عن الحملة.
وقالت مايكروسوفت إنها تحترم حق التظاهر السلمي، لكنها تعارض الأفعال غير القانونية. كما دعت الشركة المالكة للموقع، «بيور داتا سنترز»، المحتجين إلى المغادرة بأمان، وأبدت استعدادها للحوار.
ويجب التمييز بين الاحتجاج السلمي وبين دخول مواقع الإنشاء دون تصريح أو تسلق المعدات؛ فالأخير قد يثير مسائل تتعلق بسلامة المتظاهرين والعاملين، وبالقواعد القانونية الخاصة بالممتلكات ومواقع العمل.
لماذا تستهلك مراكز البيانات كميات كبيرة من الطاقة؟
تضم مراكز البيانات خوادم وأجهزة تخزين وشبكات اتصالات تعمل على معالجة كميات ضخمة من المعلومات. وتحتاج هذه الأجهزة إلى الكهرباء بصورة مستمرة، كما تنتج حرارة تتطلب أنظمة تبريد للحفاظ على درجات التشغيل المناسبة.
ومع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، زادت الحاجة إلى قدرات حوسبة أكبر، خاصة عند تدريب النماذج وتشغيلها لخدمة أعداد كبيرة من المستخدمين. وتحتاج هذه العمليات إلى معالجات متخصصة ومعدات كثيفة الاستهلاك للطاقة، ما يرفع أهمية التخطيط لشبكات الكهرباء والبنية التحتية المرتبطة بها.
ولا يتساوى استهلاك جميع مراكز البيانات؛ إذ تختلف الكميات بحسب حجم المنشأة ونوعية المعدات وكفاءة التبريد ومعدل التشغيل ومصادر الطاقة المستخدمة. ولهذا فإن تقييم الأثر البيئي لأي مشروع يحتاج إلى بيانات خاصة به، وليس مجرد افتراض أن كل مركز بيانات يسبب التأثير نفسه.
المياه والتبريد والضغط على الموارد المحلية
من بين أبرز المخاوف التي طرحها المحتجون استخدام المياه في بعض أنظمة التبريد، خاصة في المناطق التي تواجه ضغوطًا مائية أو تنافسًا بين الاستخدامات الصناعية والسكنية والزراعية.
وتختلف احتياجات المياه بحسب التكنولوجيا المستخدمة في التبريد وتصميم المنشأة والمناخ المحلي. فبعض المراكز يعتمد على أنظمة تبريد تستخدم المياه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بينما تعتمد منشآت أخرى على حلول مختلفة قد تقلل استهلاك المياه لكنها قد تتطلب طاقة إضافية.
ولهذا فإن النقاش لا يتعلق بمجرد إنشاء مركز بيانات، وإنما بشروط تشغيله، ومصدر المياه، وتأثيره على الموارد المتاحة للمجتمع المحلي، ومدى وجود تقييم بيئي معلن قبل منح التراخيص.
لماذا تطالب الحملة بوقف الإنشاءات مؤقتًا؟
يرى المحتجون أن التوسع في مراكز البيانات يحدث بوتيرة أسرع من قدرة القواعد التنظيمية على مواكبته، وأن الحكومات تحتاج إلى وضع ضوابط أكثر صرامة بشأن استهلاك الكهرباء والمياه، واستخدام الأراضي، وتأثير المشروعات على أسعار الطاقة وأهداف المناخ.
كما يثير بعض المشاركين مخاوف تتعلق بتأثير تركّز البنية التحتية الرقمية في أيدي عدد محدود من الشركات الكبرى، وما قد يترتب عليه من نفوذ اقتصادي متزايد على قطاعات أساسية.
وتطالب الحملة بوقف بعض مشروعات الإنشاء لحين توضيح القواعد، لكن هذا المطلب لا يعكس بالضرورة موقف جميع المجتمعات المحلية أو الحكومات الأوروبية. فهناك جهات ترى أن التوسع ضروري لتطوير الاقتصاد الرقمي وتوفير وظائف جديدة، وأن المطلوب هو تنظيم الاستثمار وليس إيقافه بالكامل.
ما موقف شركات التكنولوجيا؟
تعتبر شركات التكنولوجيا أن مراكز البيانات عنصر أساسي لتشغيل الخدمات السحابية ومنصات الذكاء الاصطناعي، كما تشير إلى أن هذه المنشآت تساهم في توفير البنية التحتية التي تحتاج إليها الشركات والمؤسسات والأفراد.
وترى الشركات أن التوسع في القدرة الحاسوبية يساعد أوروبا على تقليل اعتمادها على البنية التكنولوجية الموجودة خارج القارة، ويعزز قدرتها على تطوير تطبيقات محلية في مجالات الصناعة والبحث العلمي والصحة والخدمات الحكومية.
لكن هذا الموقف لا يلغي الحاجة إلى الشفافية بشأن استهلاك الموارد. فوجود فوائد اقتصادية محتملة لا يعفي الشركات من تقديم بيانات واضحة عن الطاقة والمياه والانبعاثات، ولا يعفي الجهات الحكومية من تقييم آثار المشروعات قبل الموافقة عليها.
الاتحاد الأوروبي أمام معادلة صعبة
تواجه أوروبا تحديًا يتمثل في الجمع بين تعزيز قدرتها التنافسية في الذكاء الاصطناعي وحماية البيئة وضمان استقرار إمدادات الطاقة. فزيادة عدد مراكز البيانات قد تدعم الاستثمار والابتكار، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى ضغوط على شبكات الكهرباء إذا لم تواكبها توسعات مناسبة في الإنتاج والنقل والتخزين.
وقد حذرت مسؤولة التكنولوجيا في الاتحاد الأوروبي، هينا فيركونن، من ضرورة توفير مراكز بيانات إضافية في أوروبا، مع تجنب ارتفاع فواتير الطاقة أو حدوث انقطاعات أو أضرار بيئية. ويعكس هذا الموقف محاولة التوفيق بين هدفين: عدم التخلف في سباق التكنولوجيا، وعدم تحميل المواطنين تكلفة توسع غير منظم.
وتشير البيانات المنشورة إلى وجود نحو 200 مركز بيانات مخطط أو قيد الإنشاء أو التشغيل في هولندا، وهو ما يوضح حجم النشاط في هذا القطاع داخل دولة تواجه بالفعل نقاشًا بشأن الأراضي والطاقة والموارد.
ما الذي يمكن أن يتغير في قواعد الاستثمار؟
قد تدفع الاحتجاجات الحكومات إلى تشديد متطلبات الإفصاح البيئي، وربط التراخيص بتقييم أكثر تفصيلًا لاستهلاك الطاقة والمياه، وإلزام الشركات بخطط واضحة لإدارة الحرارة والمخلفات الإلكترونية.
كما يمكن أن تتوسع المطالب بتحديد مواقع مراكز البيانات بعيدًا عن المناطق التي تعاني من ضغط على شبكات الكهرباء أو المياه، أو اشتراط استخدام مصادر طاقة منخفضة الانبعاثات كلما كان ذلك ممكنًا فنيًا واقتصاديًا.
ومن المهم أن تكون القواعد واضحة وغير تمييزية، حتى لا تتحول إلى عائق غير مبرر أمام الاستثمار، وفي الوقت نفسه تمنع تحميل المجتمعات المحلية أعباء بيئية لا تحصل في مقابلها على فوائد مناسبة.
الخلاصة
تكشف احتجاجات أمستردام والتحركات المقررة في دول أوروبية أخرى عن تحول مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى قضية سياسية وبيئية، بعدما أصبحت البنية التحتية الرقمية مرتبطة مباشرة باستهلاك الطاقة والمياه والأراضي. ويظل التحدي أمام الحكومات هو تنظيم التوسع بما يضمن استمرار الابتكار والاستثمار، مع حماية الموارد وحق المجتمعات المحلية في معرفة آثار المشروعات المقامة بالقرب منها.



