
مع التطور المتسارع لأنظمة الذكاء الاصطناعي وقدرتها على إجراء محادثات تبدو شبيهة بتلك التي يخوضها البشر، يبرز سؤال يزداد إلحاحا: هل يمكن أن يمتلك الذكاء الاصطناعي وعيا حقيقيا يوما ما؟ وكيف يمكن للعلماء التأكد من ذلك؟
وتقول ميغان بيترز، أستاذة علم النفس والباحثة في علم الأعصاب الإدراكي والحاسوبي بجامعة لندن، إن العلماء لا يملكون حتى الآن اختبارا موثوقا ومتفقا عليه يمكن من خلاله تحديد ما إذا كان نظام ذكاء اصطناعي يتمتع بالوعي أم لا.
وتستعد بيترز لمناقشة هذه المسألة خلال فعالية New Scientist Live 2026 في لندن، حيث تقدم في 10 أكتوبر جلسة بعنوان: «إذا كان الذكاء الاصطناعي واعيا، فكيف ستعرف؟». وتشير إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بتطور الآلات، وإنما بصعوبة فهم الوعي نفسه واكتشافه بصورة علمية.
لماذا يصعب اكتشاف وعي الذكاء الاصطناعي؟
توضح بيترز أن العلماء لا يستطيعون ببساطة البحث عن علامات محددة للوعي داخل نظام اصطناعي، لأنهم لا يعرفون على وجه الدقة ما هي العلامات التي ينبغي البحث عنها.
وتزداد المشكلة تعقيدا لأن الوعي لا يزال أحد أكثر الألغاز العلمية تعقيدا حتى لدى البشر. فالإنسان يستطيع، عند سؤاله، وصف تجاربه ومشاعره الداخلية، لكن لا يمكن التعامل مع إجابات نظام ذكاء اصطناعي بالطريقة نفسها، إذ لا يوجد ما يضمن أن حديثه عن المشاعر أو الوعي يعكس تجربة ذاتية حقيقية.
وترى الباحثة أن الطلاقة الكبيرة التي وصلت إليها روبوتات المحادثة قد تجعل البشر يخلطون بين القدرة على محاكاة الحوار وبين امتلاك تجربة واعية بالفعل، خصوصا عندما تبدو الأنظمة قادرة على التعبير عن نفسها بطريقة مقنعة.
هل إيقاف نظام واع قد يصبح مشكلة أخلاقية؟
لا ترى بيترز أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية واعية، لكنها تدعو إلى الاستعداد لاحتمال ظهور أنظمة تتمتع بالوعي في المستقبل.
وفي حال تحقق ذلك، فقد يواجه البشر أسئلة أخلاقية وقانونية غير مسبوقة، من بينها ما إذا كان إيقاف نظام واع أو إعادة تدريبه أو حذفه يمكن أن يمثل شكلا من أشكال الإضرار به.
وتكمن المشكلة أيضا في الاتجاه المعاكس؛ فإذا اعتقد البشر أن نظاما ما واع من دون وجود دليل علمي كاف، فقد يؤدي ذلك إلى منحه حماية أو حقوقا لا تستند إلى أساس واضح، أو إلى وضع سياسات تنظّم الذكاء الاصطناعي بناء على افتراضات غير مثبتة.
وتشير بيترز إلى أن شركات الذكاء الاصطناعي تستثمر بالفعل في أبحاث مرتبطة بما يعرف بـ«رفاهية الذكاء الاصطناعي»، ما يجعل مسألة تحديد الوعي أكثر أهمية مع استمرار تطور هذه الأنظمة.
العلماء يبحثون عن اختبار للوعي
وتعمل بيترز وفريقها على دراسة مجموعة كبيرة من الاختبارات المحتملة للوعي، بهدف معرفة أي منها يمكن تطبيقه بصورة موثوقة على البشر والحيوانات والأنظمة الاصطناعية.
وترى أن اختبار هذه الأساليب على أنواع مختلفة من الكائنات قبل محاولة استخدامها مع الآلات قد يساعد الباحثين على تطوير أدوات أكثر دقة للكشف عن الوعي، بدلا من الاعتماد على الانطباعات الشخصية أو مدى إقناع نظام الذكاء الاصطناعي أثناء المحادثة.
وبحسب بيترز، فإن السؤال العلمي الأهم في الوقت الراهن ليس ما إذا كان أحد روبوتات المحادثة قد أصبح واعيا بالفعل، بل كيف يمكن إثبات وجود الوعي إذا ظهر في نظام اصطناعي مستقبلا.
ولهذا، تدعو الباحثة إلى الحذر من الادعاءات التي تصف أنظمة الذكاء الاصطناعي بأنها واعية لمجرد قدرتها على إجراء حوارات تبدو بشرية، مؤكدة أن الطريق إلى الإجابة عن هذا السؤال يحتاج إلى اختبارات علمية أكثر دقة وموثوقية.
