غزة بين الحرب والتعافي.. الأمم المتحدة تكشف ملامح المرحلة الانتقالية| حوار

post-title
أرشيفية

 

لا تزال الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة شديدة الهشاشة، في ظل استمرار التحديات الإنسانية والقيود المفروضة على وصول المساعدات، إلى جانب ما توثّقه الأمم المتحدة من انتهاكات مذابح يقوم بها جيش الاحتلال الإسرائيلي بشكل يومي.

كما يزيد من معاناة سكان القطاع الرفض الإسرائيلي والتعنت في استكمال المرحلة الثانية من خطة السلام بشأن غزة، التي تم التوصل إليها في 13 أكتوبر 2025 برئاسة مصرية أمريكية مشتركة، ورسمت خارطة طريق لإنهاء الحرب وإعادة الإعمار، حيث صرح بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبوع الماضي، برفضه لخطة “مجلس السلام” بشأن غزة، قائلًا إنه لن يكون هناك انسحاب من القطاع إلا بعد نزع السلاح بالكامل.

وللوقوف على آخر التطورات في الأوضاع كان لنا حوار خاص مع ديفورا فريدمان، من مكتب المنسق الأممي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، حيث عرضت تقييم الأمم المتحدة للأوضاع الإنسانية والسياسية في غزة، وتحدثت عن الانتهاكات الجنسية، وآليات حماية المدنيين، ودور المنظمة الدولية خلال المرحلة الانتقالية، إضافة إلى فرص التعافي وإعادة الإعمار وتأثير خروقات وقف إطلاق النار على المسار السياسي.

كيف تقيّمون الوضع الإنساني الحالي في غزة؟

هناك بعض التحسن في الوضع الإنساني في مناطق من قطاع غزة، لكن التقدم لا يزال بطيئًا للغاية، والوضع العام هش.

ويواجه المدنيون مجموعة هائلة من التحديات، بينها النزوح المطول والمتكرر، وظروف المعيشة المكتظة، والدمار واسع النطاق، فضلًا عن الأضرار المستمرة الناجمة عن الأعمال العدائية والإصابات الناتجة عن العمليات العسكرية والضربات التي تطال مناطق مأهولة بالسكان.

في المقابل، تظهر قدرة ملحوظة على الصمود بين الفلسطينيين في غزة. فالقطاع الصحي، على سبيل المثال، يواصل تقديم الرعاية العاجلة وإعادة تأهيل المرافق المتضررة رغم القيود الشديدة.

هل هناك مؤشرات إيجابية يمكن البناء عليها؟

نعم، هناك منظمات مجتمعية تدعّم الأسر النازحة بالمأوى والتعليم والخدمات الصحية، كما تعمل الجهات المحلية بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة والشركاء الإنسانيين على استعادة الخدمات الأساسية.

وشهدت الفترة الأخيرة بعض التطورات الإيجابية، من بينها الجهود الرامية إلى إزالة النفايات الصلبة من المناطق الرئيسية وتحسين التنسيق لإدخال معدات وإمدادات الصرف الصحي.

لكن هذه التطورات لا تزال محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات. فالبنية التحتية المتضررة، ومواقع النزوح المكتظة، والنفايات غير المدارة، ومحدودية الوصول إلى المواد والمعدات الأساسية، تخلق مخاطر جسيمة على الصحة العامة وتزيد احتمالات تفشي الأمراض.

هل يشعر سكان القطاع بتحسن في الأمن الغذائي؟

 

تشير أحدث تقييمات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي إلى بعض التحسن في ظروف الأمن الغذائي والتغذية في غزة، إلا أن الوضع لا يزال شديد الخطورة، ولا تزال غالبية الأسر تعتمد على المساعدات الإنسانية كوسيلة أساسية للبقاء.

وفي الوقت ذاته، يؤدي استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، بما في ذلك زيادة الغارات الجوية وتوسيع المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية، إلى فرض ضغوط إضافية على السكان المنهكين بالفعل، كما أن القيود المفروضة على دخول المواد الأساسية والإمدادات الإنسانية تحد من قدرة المنظمات الإنسانية والجهات المحلية على الاستجابة بالحجم المطلوب.

وبموجب القانون الإنساني الدولي، يجب على جميع الأطراف احترام وحماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني والمرافق وإمدادات الإغاثة، والامتناع عن أي أعمال تعيق العمليات الإنسانية أو تمنع وصول المساعدات إلى المدنيين المحتاجين.

­­كيف تؤثر خروقات وقف إطلاق النار على عملية السلام؟

­الحفاظ على وقف إطلاق النار ضروري ليس فقط للحد من معاناة المدنيين والسماح للجهود الإنسانية والتعافي بالتقدم، وإنما أيضًا لإعادة بناء الثقة وتهيئة الظروف اللازمة لعملية سياسية مستدامة، وأي انتهاك لوقف إطلاق النار من جانب أي طرف يقوض الثقة، ويزيد التوترات، ويعرض التقدم نحو المرحلة التالية من تنفيذ الاتفاق للخطر.

لذلك، هناك حاجة إلى التزام مستدام من جميع الأطراف بتنفيذ تعهداتها والامتناع عن الإجراءات التي قد تؤدي إلى التصعيد، والمشاركة بصورة بناءة في تنفيذ الإطار المتفق عليه، بما في ذلك الترتيبات التي أقرها مجلس الأمن في القرار 2803 لعام 2025.

وفي النهاية، يجب أن يظل الهدف طويل الأجل واضحًا، وهو استعادة عملية سياسية قابلة للحياة، وإعادة توحيد غزة والضفة الغربية في ظل حكم فلسطيني شرعي، وتعزيز هدف حل الدولتين عبر التفاوض.

ما أحدث تقديرات الأمم المتحدة بشأن العنف الجنسي ضد الفلسطينيين؟

تأخذ الأمم المتحدة جميع مزاعم العنف الجنسي المرتبط بالنزاع على محمل الجد، وقد وثّقت أنماطًا مثيرة للقلق من هذا النوع من العنف تؤثر على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.

ووفق أحدث تقرير للأمين العام للأمم المتحدة بشأن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، جرى التحقق من 31 حالة تتعلق بفلسطينيين من غزة والضفة الغربية، من بينهم سبع نساء وفتاة واحدة. وشملت الحالات الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، ولا سيما في أماكن الاحتجاز.

لكن هذا الرقم يمثل الحد الأدنى للحالات التي تمكنت الأمم المتحدة من التحقق منها، ولا ينبغي اعتباره تقديرًا للحجم الكامل للانتهاكات، إذ لا يتم الإبلاغ عن العنف الجنسي بصورة منتظمة في حالات الصراع بسبب الخوف والوصمة وانعدام الأمن والمخاطر التي قد يواجهها الناجون عند الإبلاغ.

ما أشكال العنف الجنسي التي وثقتها الأمم المتحدة؟

وثقت تقارير وتحقيقات أممية أنماطًا أوسع من العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، من بينها الإجبار على التعري، وعمليات التفتيش الداخلي بطريقة مهينة ومتطفلة، والتحرش الجنسي، والتهديدات بالاغتصاب والاعتداء الجنسي.

وتعتبر الأمم المتحدة هذه النتائج بالغة الخطورة، إذ إن مثل هذه الأفعال تمثل انتهاكات غير مقبولة لحقوق الإنسان، وقد تشكّل انتهاكات خطيرة للقانون الدولي.

وتعمل الأمم المتحدة بالتعاون مع الشركاء في المجال الإنساني، ولا سيما المنظمات الفلسطينية التي تقودها النساء والمنظمات المجتمعية، لدعم الناجين والأشخاص الأكثر عرضة للخطر، من خلال توفير خدمات سرية تركّز على احتياجات الناجين، تشمل الرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي وإدارة الحالات والأماكن الآمنة والإحالات إلى الخدمات المتخصصة.

العنف الجنسي المرتبط بالصراع من أخطر انتهاكات القانون الدولي. وتؤكد الأمم المتحدة ضرورة حماية النساء والفتيات والحفاظ على كرامتهن وحقوقهن في جميع الأوقات، خصوصًا خلال الأزمات.

كما يجب التحقيق في جميع الادعاءات المتعلقة بهذه الأفعال بصورة فورية وشاملة ومستقلة ونزيهة، وفقًا لمعايير الأدلة المعمول بها. ويستحق الناجون الحماية والرعاية والعدالة والمساءلة.

ما الدور الذي ستضطلع به الأمم المتحدة خلال المرحلة الانتقالية؟

سيظل دعم نجاح العملية الانتقالية للمدنيين على الأرض في صميم عمل الأمم المتحدة. وستواصل المنظمة تقديم وتنسيق المساعدات الإنسانية، ودعم التعافي المبكر وإعادة الإعمار، والعمل مع المؤسسات الفلسطينية والشركاء الدوليين لاستعادة الخدمات الأساسية وتهيئة الظروف اللازمة للتعافي المستدام.

كما ستواصل وكالات الأمم المتحدة وشركاؤها استخدام خبراتهم ووجودهم على الأرض لدعم الصحة والتعليم والأمن الغذائي وإعادة تأهيل البنية التحتية وسبل العيش وتعزيز القدرات المحلية.

وستعمل الأمم المتحدة أيضًا مع الأطراف المعنية لمعالجة القيود التشغيلية، بما في ذلك تحديات الوصول ودخول المواد اللازمة للتعافي وإعادة الإعمار، بما فيها المواد التي تصنّف على أنها ذات استخدام مزدوج.

ما الآليات والهيئات التي ستدعّم هذه الجهود؟

 

يمكن لآليات مثل “صندوق هورايزون” أن تساعد الأمم المتحدة في تعبئة وتنسيق الدعم الدولي لأولويات التعافي في غزة، بما يشمل البنية التحتية وسبل العيش والخدمات الأساسية، وفي الوقت نفسه، ستواصل الأمم المتحدة الدعوة إلى حماية المدنيين واحترام القانون الدولي وترتيبات الحكم المسؤولة والشاملة.

ويجب أن تكون جهود التعافي بقيادة فلسطينية وأن تستجيب لاحتياجات وتطلعات الشعب الفلسطيني، مع دعم المجتمع الدولي لها.

كيف ستضمن الأمم المتحدة حماية حقوق الفلسطينيين خلال المرحلة المقبلة؟

ستظل حماية الفلسطينيين والحفاظ على حقوقهم وكرامتهم في صميم مشاركة الأمم المتحدة في غزة.

وستواصل المنظمة استخدام وجودها الإنساني والسياسي والعملياتي لتقييم الظروف، والدعوة إلى حماية المدنيين، ودعم الامتثال للقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان، والإبلاغ عن التطورات التي تؤثر على السكان.

ويشمل ذلك الإبلاغ عن الإجراءات التي تتخذها مختلف الجهات والتي تؤثر على حقوق المدنيين ورفاهيتهم، بما في ذلك التدخل في العمليات الإنسانية أو عرقلة إيصال المساعدات أو تخويف العاملين في المجال الإنساني.

ومن خلال آلياتها القائمة، بما فيها التقارير المنتظمة إلى مجلس الأمن وتقارير الأمين العام بشأن تنفيذ قرارات المجلس ذات الصلة، ستواصل الأمم المتحدة تقديم تقييمات موضوعية للتطورات على الأرض وتسليط الضوء على الإجراءات التي تؤثر على حماية المدنيين وحقوقهم.

ما الأولويات الأممية في المرحلة المقبلة؟

الأولوية هي ضمان وصول الفلسطينيين إلى المساعدات الإنسانية، وتمكينهم من المشاركة في تشكيل مستقبلهم، والاستفادة من جهود تعافٍ شاملة وشفافة تستجيب لاحتياجاتهم وأولوياتهم.

ويشمل ذلك دعم المؤسسات الفلسطينية وتعزيز القدرات المحلية والعمل مع جميع أصحاب المصلحة لتعزيز ترتيبات حكم مسؤولة وشاملة.

لكن أي آلية للرصد لا يمكن أن تحل محل التزام جميع الأطراف باحترام القانون الدولي وحماية المدنيين والحقوق الأساسية. وفي نهاية المطاف، يجب أن تكون عملية الانتقال بقيادة فلسطينية وقائمة على الحقوق، وأن تسهم في بناء مسار سياسي مستدام يحقق تطلعات الفلسطينيين والإسرائيليين نحو السلام والاستقرار.