ترامب يربك حليفه الكوري.. رهان على كيم يُضعِف دفاع سول

post-title
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي

 

منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون، ما عجزت بيونج يانج عن انتزاعه بالضغط والتهديد على مدى سنوات، حين أصدر أمرًا بتقليص مناورات “أولتشي فريدم شيلد” المشتركة مع كوريا الجنوبية إلى النصف، في قرار وصفه المحللون بأنه “هدف ذاتي” يُقوِّض في آنٍ واحد أمن أحد أوثق حلفاء واشنطن، ويُفرغ مطالب ترامب نفسه بتقاسم أعباء الدفاع من مضمونها، وفق ما رصدته شبكة “سي إن إن” الأمريكية.

قرار ترامب وحسابات كيم

نقلت شبكة “سي إن إن” أن مناورات “أولتشي فريدم شيلد” السنوية، التي تجمع عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين والكوريين الجنوبيين، قُلِّصَت بطلب مباشر من واشنطن، إثر تصريح ترامب في منشور على منصة “تروث سوشيال” بأنها “استفزازية وعدائية تمامًا”، واصفًا إياها بأنها تُكلف الولايات المتحدة أموالًا طائلة، وتُزعج صديقه كيم الذي يحرص على لقائه مجددًا.

وتشير الشبكة الإعلامية الأمريكية إلى أنه من اللافت أن ترامب استخدم في وصفه للمناورات التوصيف ذاته الذي تعتمده وسائل الإعلام الرسمية الكورية الشمالية تاريخيًا للتنديد بهذه التدريبات، رغم أن واشنطن وسول أكدتا مرارًا طابعها الدفاعي الرادع الذي لا يستهدف التمدد شمال المنطقة المجردة من السلاح، التي تفصل الكوريتين منذ هدنة عام 1953.

ثمن باهظ لرهان ضعيف

تكشف “سي إن إن” أن القرار أربك التنسيق العسكري بين الحليفين، حيث بات قادة الجيش الكوري الجنوبي مضطرين إلى إعادة التفاوض على “هيكل الدفاع المشترك برمته”، في حين لا تزال نوايا ترامب من لقاء محتمل مع كيم ضبابية، لا سيما أن محاولته في ولايته الأولى إقناع الزعيم الكوري الشمالي بالتخلي عن طموحاته النووية باءت بالفشل، بينما وسَّع كيم ترسانته النووية التي تُقدَر بعشرات الرؤوس الحربية، وعزز تحالفاته مع روسيا والصين.

وخلص البروفيسور ليف إيريك إيزلي من جامعة “إيهوا” في سول، لـ”سي إن إن” إلى أن “الوفورات المالية من تقليص التدريبات هامشية فيما تبقى المكاسب الدبلوماسية مع بيونج يانج موضع شك بالغ”، محذرًا من أن هذا التراجع “يُلحق ضررًا بالتنسيق بين الحليفين ويُبطئ مسيرة تحمل كوريا الجنوبية لمزيد من مسؤولية دفاعها ويُضعف الردع في مواجهة النزاعات المحتملة في آسيا”، في مشهد يجد فيه ترامب -المثقل بتداعيات الصراع مع إيران- نفسه أمام تساؤلات جوهرية حول جدوى رهانه على كيم وتكلفته الإستراتيجية.

الحلم المؤجل الذي تُعقده واشنطن بيدها

تتجاوز أهمية هذه المناورات التدريبَ العسكري التقليدي، إذ تُشكِّل المسار العملي الوحيد لاختبار منظومات القيادة تمهيدًا لنقل السيطرة العملياتية في زمن الحرب من واشنطن إلى سول، وهو ملف ظل معلقًا منذ اندلاع الحرب الكورية عام 1950، حين تنازلت سول عن قيادة قواتها للجانب الأمريكي الأكثر خبرةً وتسليحًا عبر “قيادة الأمم المتحدة”، ثم “قيادة القوات المشتركة” منذ عام 1978 التي يتولى رئاستها دائمًا جنرال أمريكي.

وبينما استعادت كوريا الجنوبية السيطرة في زمن السلم عام 1994، لا تزال واشنطن تمسك بزمام القيادة الميدانية في أوقات النزاع، في ظل وضع راهن باتت تجاوزته القدرات العسكرية لسول، التي تُصنَّف اليوم بين أعلى القوى العسكرية في العالم.

وفي هذا السياق، كشف الباحث يو جي هون من معهد كوريا لتحليلات الدفاع، في مقال نشره بمجلة “ذا ديبلومات” ونقلته “سي إن إن”، أن المناورات كانت تحديدًا الوسيلة المُخطَّطة لتقييم جاهزية سول لاستلام هذه السيطرة، محذرًا من أن التقليص المفاجئ “قد يُعقد مشروع التحالف الذي شجعته واشنطن نفسها طويلًا”، وأنه “يجعل تقاسم الأعباء أصعب تطبيقًا في اللحظة ذاتها التي تطالب فيها واشنطن بالمزيد منه”.

سول تطالب بحقها.. وبيونج يانج لا تُقدر المبادرة

على الضفة الكورية الجنوبية، استغل الرئيس لي جاي ميونج انطلاق المناورات منبرًا لتجديد وعده الانتخابي باستعادة السيطرة العملياتية بحلول عام 2030، مؤكدًا أن قدرات بلاده العسكرية “باتت من بين الأعلى في العالم وأكثر من كافية للدفاع عن النفس”.

وكان الباحث لي جيونج كيو من معهد “سيجونج” الكوري، رصد في وقت سابق من العام ذاته زخمًا متصاعدًا نحو تكريس هذه السيطرة، مستشهدًا بوثيقة إستراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية الصادرة في يناير 2025، بوصفها “إشارة واضحة لتعزيز تقاسم أعباء التحالف وتسريع شروط نقل السيطرة”.

غير أن بيونج يانج لم تُبادل واشنطن هذه المرونة بأي ترحيب، إذ أعلنت كيم يو جونج، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي ومسؤولته النافذة، أن تقليص حجم المناورات لا يُغير “طابعها الاستفزازي والهجومي” ولا ينبغي اعتباره “بادرة حسن نية”، فيما سبق لوكالة الأنباء الرسمية الكورية الشمالية “كيونا” أن وصفت التدريبات بأنها “أشد التهديدات المباشرة” لبيونج يانج والأمن الإقليمي.