الأوروبيون يحصنون منتجاتهم المحلية ضد المنافس الصيني بـ “المسرع الصناعي”

 

post-title
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي

 

كشف استطلاع رأي حديث نشرته مجلة “بوليتيكو” الأمريكية، حصريًا أن الناخبين في 23 دولة أوروبية من أصل 25 شملها المسح يُفضلون منح الأفضلية للمنتجات المحلية في عقود الشراء الحكومي، وذلك في توقيت بالغ الحساسية تتصارع فيه مؤسسات الاتحاد الأوروبي على صياغة قانون “المسرع الصناعي” الرامي إلى تعزيز المنتج الأوروبي على حساب المنافس الصيني.

ويضع الاستطلاع -الذي أجرته مؤسسة Public First وشمل أكثر من 26 ألف شخص في 24 دولة أوروبية والمملكة المتحدة- بروكسل أمام معادلة شعبية عسيرة، فالتأييد للحماية التجارية يتبخر فور الإشارة إلى ارتفاع محتمل في الأسعار، فيما يتقدم الولاء الوطني على الانتماء الأوروبي في أغلب أرجاء القارة.

رهان بروكسل على مواجهة بكين

تسعى المفوضية الأوروبية إلى استكمال قانون “المسرع الصناعي” قبل نهاية العام الجاري، وهو تشريع يُتيح منح الشركات الأوروبية أفضلية تنافسية في مناقصات الشراء الحكومي التي تُمثل نحو 17% من الناتج الاقتصادي للاتحاد.

ويستهدف القانون في جوهره تحصين القاعدة الصناعية الأوروبية في مواجهة الهيمنة التصديرية الصينية المتنامية، لا سيما في قطاع التكنولوجيا النظيفة.

واقترحت الدول الأعضاء إعادة صياغة المقترح، بحيث ترتبط الأفضلية بالمنتجات لا بالدول، فيما لم يتوصل البرلمان الأوروبي بعد إلى موقف موحد.

وتعتزم المفوضية تقديم قانون المشتريات العامة المكمل له مطلع سبتمبر المقبل، ما يجعل السباق مع الزمن محتدمًا على أكثر من جبهة تشريعية في آنٍ واحد.

الشارع الأوروبي يختار بلاده أولًا

كشف استطلاع EuroPulse -الذي شمل 26,283 بالغًا في 24 دولة أوروبية والمملكة المتحدة خلال مايو ويونيو الماضيين- أن الناخبين في 23 دولة من أصل 25 يُفضلون قواعد شراء حكومي تمنح الأفضلية للمنتجات المحلية على حساب نظيراتها الأوروبية.

وتراوح متوسط التأييد للأفضلية المحلية فوق 50%، في حين بقي التأييد للأفضلية الأوروبية دون عتبة النصف.

وفي تحليله لنتائج الاستطلاع لبوليتيكو، لخص المدير التنفيذي لمركز Project Tempo لوك شور، هذه الصورة بعبارة دقيقة: “الشعور القومي يسبق الشعور الأوروبي في معظم أنحاء القارة، بصرف النظر عن حجم القاعدة الصناعية لكل دولة”.

تفاوت حاد بين الشمال والجنوب.. وألمانيا استثناء بارز

تشير “بوليتيكو” إلى أن الخريطة الأوروبية لا تبدو متجانسة في هذا الملف، إذ تصدرت البرتغال وإسبانيا قائمة الأكثر حماسًا لكلا الخيارَين، بنسبة تأييد صافٍ تجاوزت 50% للمنتج الوطني وقاربت 50% للمنتج الأوروبي.

في المقابل، سجلت لاتفيا وإستونيا أدنى المستويات، إذ لم يتجاوز التأييد الصافي لفكرة “اشترِ أوروبيًا” 10%، مع أرقام متدنية مماثلة للأفضلية الوطنية.

أما ألمانيا، وهي القلب الصناعي للاتحاد، فأبدت مواقف شبه متساوية إزاء الخيارَين، مع ضعف نسبي في التأييد الصافي لكليهما، وهو ما وصفه شور بـ”المواقف المتشابهة” التي لا تُرجح كفة على أخرى.

الأسعار تُسقط الحماية وأزمة المعيشة تُعيد رسم الأولويات

يُقر الناخبون بأهمية التوطين الصناعي نظريًا، لكنهم يتراجعون فور ذكر الكلفة، فبالرغم أن أكثر من نصف المستطلَعين أيدوا توطين صناعة التكنولوجيا النظيفة أوروبيًا حتى لو أبطأ ذلك مسيرة التحول الأخضر، انهار هذا التأييد حين طُرحت تداعيات اقتصادية محتملة.

وعند السؤال عن فرض رسوم جمركية على التكنولوجيا الصينية، لم يُبدِ الموافقةَ سوى 35% ممن أُبلغوا بأن ذلك قد يرفع الأسعار.

وأجمل شور هذه المعادلة الشعبية لـ”بوليتيكو” بقوله: “في مواجهة أزمة معيشية، يدعم الناخبون السياسات الحمائية، لكن فقط إذا لم ترفع الأسعار”.

وهكذا تجد بروكسل نفسها أمام عقبتَين سياسيتَين متشابكتَين، ناخبون يُقدمون جيوبهم على أي انتماء قاري، وتشريع تتجاذبه المؤسسات قبل أن يصل إلى الشارع الذي من المفترض أن يخدمه.