أعلن الأمير هاري وزوجته ميجان دوقة ساسكس عزمهما العودة للإقامة الدائمة في المملكة المتحدة هذا الشهر، بعد ست سنوات قضياها في كاليفورنيا، وذلك وفق ما كشفته صحيفة نيويورك تايمز نقلًا عن مصادر مطلعة، وسيستقر الزوجان مع طفليهما الأمير آرتشي (7 سنوات) والأميرة ليليبيت (5 سنوات) في مكان خارج لندن، حيث سيلتحق الأطفال بمدارس بريطانية في أول إشارة على أن بريطانيا ستكون وطنهم الدائم وليست محطة عابرة، وتأتي العودة المفاجئة وسط تساؤلات مُلحة حول ملف الأمن الذي طالما وصفه هاري بأنه العقبة الأولى والأخيرة أمام أي عودة، فضلًا عن وضعهما خارج المنظومة الملكية الرسمية وحالة التوتر التي لا تزال تُخيم على علاقة هاري بأخيه الأمير ويليام.

عودة صادمة

وصفت واشنطن بوست هذا التغير بأنه من أكثر التحولات إثارةً للدهشة في تاريخ الأسرة الملكية الحديث، مستحضرةً مقارنة بصرية لافتة بمشهد “بوبي إيوينج” الشهير في مسلسل “دالاس” حين ظهر فجأة من تحت الدش وكأن شيئًا لم يكن، إذ بدت كاليفورنيا بكل مقاييس الحياة الرغيدة وطنًا بديلًا لا عقوبة، حيث أوبرا وينفري جارة، وشواطئ تُطل على المحيط.

وفي مايو 2021، حدث هاري مستمعي بودكاست “Armchair Expert” كيف يمشي في أزقة مونتيسيتو بـ”قدر من الحرية لم يألفه من قبل”، وكيف يُقل ابنه آرتشي على دراجته الهوائية، غير أن واشنطن بوست رصدت خمسة عوامل كانت تجعل فكرة العودة تبدو مستحيلة في أذهان المراقبين، في مقدمتها تصريح هاري الصريح لشبكة بي بي سي في مايو 2025 بأنه لا يتصور “واقعًا يعود فيه بزوجته وأطفاله إلى المملكة المتحدة في الوقت الراهن”، ثم حربه المفتوحة مع الصحافة البريطانية التي دفعته أصلًا إلى الرحيل، إضافة إلى غياب أي دور ملكي رسمي ينتظره، وتجمد علاقته بأخيه الأمير ويليام، وأخيرًا مسألة الأمن التي وصفها بنفسه بأنها “آخر عقبة” تحول دون عودته.

أسباب الرحيل

لم يكن قرار المغادرة عام 2020 طوعيًا خالصًا، إذ كشفت نيويورك تايمز أن الزوجين واجها قبيل رحيلهما موجة من التهديدات والتحرش الرقمي وصفها مسؤول شرطي بريطاني رفيع بأنها كانت “مثيرة للاشمئزاز وحقيقية للغاية”.

وحين أعلنا التخلي عن مهامهما الملكية، سارعت الحكومة إلى سحب الحماية الأمنية المسلحة الممولة من المال العام، وهو قرار أجج الخلاف مع الأسرة الملكية وحوله إلى جرح نازف، بل ذهب هاري في لحظة غضب إلى وصف القرار بأنه “مؤامرة” مُحكمة لإجباره على البقاء.

وفي محاولة للتسوية، عرض عام 2022 أمام المحكمة أن يتحمل شخصيًا تكاليف الحراسة المسلحة، غير أن هيئة رافيك، الجهة المستقلة المنوط بها تنسيق أمن الأسرة الملكية وتضم في عضويتها مسؤولين حكوميين وشرطيين وممثلين عن الديوان الملكي، رفضت العرض جملةً وتفصيلًا، محتجةً بأن تأجير الشرطة المسلحة للأثرياء يُفسد مبدأ المساواة أمام القانون.

وقد تصاعدت وتيرة المعركة القانونية حتى وصلت إلى محكمة الاستئناف البريطانية، التي أصدرت في أبريل 2025 حكمًا يقضي برفض الطعن، مُنهيةً بذلك مساعي هاري القضائية في هذا الملف.

الترتيبات الأمنية

ما يُضفي على ملف الأمن مزيدًا من التعقيد هو الهوة الكبيرة بين المنظومتين الأمريكية والبريطانية في هذا الشأن، فبينما تُتيح الولايات المتحدة للأفراد الاستعانة بحراسة خاصة مسلحة دون قيود تُذكر، تفرض بريطانيا ضوابط صارمة على حيازة الأسلحة تطال حتى عناصر الأجهزة الأمنية الأمريكية كعملاء الـFBI، الذين يحتاجون إلى إذن حكومي مسبق لحمل أسلحتهم على الأراضي البريطانية.

وأوضح كريس فيليبس، المسؤول السابق في مكافحة الإرهاب البريطاني، في تصريحاته لـنيويورك تايمز، أن الحراسة غير المسلحة شائعة في بريطانيا، لكنه لم يُخفِ قلقه حين أضاف: “هاري سيكون هدفًا للتهديدات، لا شك في ذلك على الإطلاق”.

وفي مواجهة هذا الواقع، رفض رئيس الوزراء آندي بيرنام الخوض في تفاصيل تمويل الحماية حين سألته وسائل الإعلام، مكتفيًا بالقول إن “هذه مسألة خاصة تعود لهاري وميجان، ونتمنى لهما التوفيق”، في حين أشارت بي بي سي إلى أن هيئة رافيك ستُعيد تقييم الترتيبات الأمنية للأسرة من الصفر، على اعتبار أن الإقامة الدائمة تختلف قانونيًا وأمنيًا عن الزيارات العابرة، وإن كانت قرارات الهيئة تتأخر أحيانًا بسبب ضغوط غير مسبوقة، إذ تتولى حاليًا حماية تسعة رؤساء وزراء سابقين على مدار الساعة.

شقاق ملكي

على صعيد العلاقات الأسرية، رسمت واشنطن بوست صورة متباينة الملامح، فمن جهة، شهدت العلاقة بين هاري وأبيه الملك تشارلز، انفراجًا ملموسًا بعد قطيعة مؤلمة، إذ جمعت الأسرتان جلسة شاي في سبتمبر الماضي بكلارنس هاوس، تبعها لقاء أكثر دفئًا في هايجروف، المقر الخاص للملك في جلوسترشاير، خرج منه هاري وفق التقارير “مفعمًا بالأمل وبنَفَس جديد”.

أما علاقته بأخيه الأمير ويليام، ولي العهد المرتقب، فلا تزال في حالة جمود كامل، إذ لا تواصل بين الشقيقين، ولم يُصدر كينجستون بالاس أي تعليق رسمي على خبر العودة رغم إبلاغ ويليام وزوجته كاثرين به.

في المقابل، خاض هاري حربًا شعواء ضد الصحافة البريطانية، واستُدعي عام 2023 للشهادة في قضيته ضد ناشر ديلي ميرور، ليكون أول فرد من الأسرة الملكية يمثل أمام القضاء منذ أكثر من قرن.

وفي 2025، تسوى مع مجموعة مردوخ الإعلامية مقابل ما يزيد على عشرة ملايين جنيه إسترليني، قبل أن يخسر لاحقًا دعواه ضد ناشر ديلي ميل، واصفًا الحكم بأنه “تبييض فاضح ومتوقع في آنٍ معًا”.