
كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن الإدارة الأمريكية وجدت نفسها أمام معادلة استراتيجية بالغة الخطورة في مواجهتها مع إيران، إذ بينما يُصعد الرئيس دونالد ترامب لهجته التهديدية ويُطلق وعودًا بـ”حرب اقتصادية شاملة”، تقرأ طهران في هذا التصعيد بالذات دليلًا على أن واشنطن لا تريد العودة إلى الميدان العسكري، وهو ما يمنح الجانب الإيراني هامشًا للمناورة والضغط المضاد.
تهديدات واهية
أعلن ترامب عبر منصة “تروث سوشيال” عما أسماه “يوم الدي-داي الاقتصادي” ضد إيران، متوعدًا بـ”حرب اقتصادية وعزل غير مسبوقين” ستُشلان قدرة طهران على تصدير ما وصفه بـ”الإرهاب”.
جاء هذا التصعيد في أعقاب حملة قصف أمريكية مكثفة شنها ترامب في وقت سابق من هذا العام، تبعها تراجع متكرر عن التهديدات بالعودة العسكرية، حتى بات المشهد يجمع بين أشد العقوبات وأوضح إشارات التحفظ على الحرب في آنٍ واحد.
وفي السياق ذاته، سارع وزير الخزانة سكوت بيسنت إلى طمأنة الأسواق عبر شبكة سي إن بي سي، مؤكدًا أن الضغط الاقتصادي المتصاعد يعني تحديدًا أن “عودة المواجهة العسكرية الشاملة باتت غير مرجحة في الوقت الراهن”، مضيفًا أن وزارة الخزانة ستُعلن عن حزمة إجراءات جديدة ضد إيران في مؤتمر صحفي الاثنين المقبل، غير أن المشكلة، كما أوضحت نيويورك تايمز، أن إيران كانت تُنصت بدقة لكل هذه التصريحات.
ضغط إيراني
يرى المحللون الذين استطلعت آراءهم نيويورك تايمز أن ترامب بات في مأزق حقيقي، فهو يخوض مواجهة اقتصادية بعد أن استنفد جزءًا كبيرًا من أوراقه العسكرية، في حين أثبتت إيران قدرتها على الصمود أمام الغارات الأمريكية والإسرائيلية، بل وعلى فرض تكاليف مباشرة على الجانب الأمريكي، من بينها استهداف ناقلات النفط في مضيق هرمز، وإلحاق أضرار جسيمة بقواعد عسكرية أمريكية في الخليج، فضلًا عن مقتل 18 جنديًا أمريكيًا.
وفي هذا الإطار، نقلت الصحيفة عن دينيس روس، المفاوض الأمريكي السابق في ملفات الشرق الأوسط خلال إدارات من الحزبين، قوله إن القيادة الإيرانية “باتت تقرأ ترامب على أنه لا يريد التصعيد العسكري، وهو ما يمنحها حافزًا لإظهار استعدادها للتصعيد بنفسها”. ويُشير روس إلى أن هذه الديناميكية قد تدفع طهران إلى البحث عن أوراق ضغط عسكرية جديدة ضد واشنطن أو حلفائها في المنطقة.
الحلقة المفقودة
على الرغم من ضراوة الحصار البحري وحزم العقوبات التي تُثقل كاهل الاقتصاد الإيراني بموجات متلاحقة من التضخم وشُح السلع، يظل المفتاح الحقيقي لأي ضغط اقتصادي فعال بعيدًا عن قبضة واشنطن، إذ إن الصين هي المشتري الأول والأكبر للنفط الإيراني، ولا يمكن لأي طرف آخر أن يحل محلها.
وقد أوضح مياد ملكي، الباحث والمسؤول السابق في ملف العقوبات بوزارة الخزانة، لنيويورك تايمز، أن “الصين هي القطعة التي لا غنى عنها” في أي مسعى لتجفيف موارد طهران، مضيفًا أنه “لا بديل يستطيع استيعاب النفط الإيراني بالحجم الصيني”.
غير أن ترامب يسعى في الوقت نفسه إلى تعزيز علاقته بالرئيس شي جين بينج في ظل قمة مرتقبة بواشنطن نهاية سبتمبر المقبل، مما يجعل الضغط على بكين أمرًا بالغ الحساسية.
وقد أكد بيسنت أن محادثات إدارته مع الصين في هذا الملف ستبقى طي الكتمان، فيما رأى إدوارد فيشمان، مدير مركز جرينبرج للاقتصاد الجيوسياسي في مجلس العلاقات الخارجية، أن “الخطوة الوحيدة الكبرى المتبقية هي استهداف شركاء إيران التجاريين بقوة، وفي مقدمتهم الصين”، مُعربًا عن شكوكه في أن ترامب مستعد لخوض حرب اقتصادية مع بكين في هذه المرحلة.
استنزاف داخلي
لا تنفصل هذه الضغوط الخارجية عن استحقاقات سياسية داخلية تُلقي بظلالها على قرارات البيت الأبيض، إذ إن أسعار الوقود لا تزال تتجاوز مستوياتها قبل اندلاع الحرب بأكثر من دولار للجالون، وتراجعت شعبية الحرب في استطلاعات الرأي حتى باتت تتآكل داخل القاعدة الجمهورية نفسها، فيما يقترب من الذكرى السداسية لما وصفه ترامب في بداياته بـ”نزهة قصيرة”.
وكلما اقتربت انتخابات التجديد النصفي، ضاق هامش المناورة أمام الرئيس الأمريكي، وتعمقت المخاوف من أن تستغل طهران هذا التضييق لتصعيد مُحسوب يُوجع واشنطن دون أن يستدعي ردًا عسكريًا واسعًا.
وفي تقييمه الختامي لمسار الإدارة الأمريكية برمته، قال روس لنيويورك تايمز إنه لم يلحظ طوال هذه الأزمة “قدرة على التفكير خارج الخطوة التالية المباشرة”، مختصرًا الصورة بعبارة بليغة: “إنهم يلعبون الداما، لا الشطرنج”.
