سواء كان استخدام الذكاء الاصطناعي للبحث عبر الإنترنت، أو إنجاز المهام اليومية والأعمال المعقدة، أو تنظيم المهام الوظيفية، وصولًا إلى إنتاج الصور ومقاطع الفيديو، فقد أصبحت هذه التقنيات جزءًا متزايدًا من تفاصيل الحياة اليومية. لكن دراسة أجرتها جامعة هارفارد كشفت عن وجود فجوة واضحة بين الرجال والنساء في التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، حيث أظهرت النتائج أن الرجال أكثر إقبالًا على استخدامها، بينما تتعامل النساء معها بدرجة أكبر من الحذر والتردد وانخفاض الثقة.
وأوضحت الدراسة، التي شارك في إعدادها عدد من أعضاء هيئة التدريس والباحثين بجامعة هارفارد، أن النساء لا يزلن أقل مشاركة في عالم الذكاء الاصطناعي، سواء من حيث معدلات الاستخدام أو الحضور في مواقع القيادة والتطوير أو الظهور باعتبارهن خبيرات في هذا المجال.
وكشفت البيانات أن نسبة الوقت الذي يخصصه الرجال لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي من إجمالي وقت تصفحهم تبلغ 4.6%، مقابل 2.9% فقط لدى النساء، بما يعكس اتساع الفجوة بين الجنسين في الاستفادة من هذه التقنيات.
الرجال يتصدرون المشهد الإعلامي للذكاء الاصطناعي
ولا تقتصر الفجوة بين الرجال والنساء على معدلات استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بل تمتد أيضًا إلى التغطية الإعلامية وطبيعة الشخصيات التي تحظى بالظهور في الأخبار المتعلقة بهذا المجال.
وأظهرت عينة الدراسة أن أسماء الرجال وردت في عناوين الأخبار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بمعدل يزيد 14.6 مرة على أسماء النساء، كما جرى الاستعانة بالرجال باعتبارهم خبراء ومتخصصين بمعدل يتجاوز نظيره لدى النساء بنحو 4.3 مرة.
وامتد هذا التفاوت إلى مسألة تمثيل وجهات النظر والاحتياجات في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي والمحتوى الذي تنتجه، إذ يرى المشاركون في الاستطلاع، من الرجال والنساء، أن احتياجات الرجال وآراءهم تحظى بتمثيل أكبر في هذه التقنيات، مقارنة باحتياجات النساء ووجهات نظرهن.
كما أظهرت النتائج أن النساء لا يحظين بالظهور الكافي باعتبارهن مصادر للخبرة والمعرفة في التغطيات الإعلامية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
لماذا تتردد النساء في استخدام الذكاء الاصطناعي؟
وفيما يتعلق بمستويات الثقة، كشفت نتائج الدراسة عن انخفاض ثقة الرجال والنساء في تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع تسجيل النساء مستويات أقل مقارنة بالرجال.
كما أظهرت النتائج اختلافًا في طبيعة المشاعر المرتبطة بهذه التقنيات؛ إذ تميل النساء بدرجة أكبر إلى التعبير عن القلق والخوف والتوجس من استخدام الذكاء الاصطناعي، بينما يغلب على الرجال الفضول والتفاؤل والحماس تجاه إمكاناته وتطبيقاته المختلفة.
ولفتت الدراسة كذلك إلى أن النساء أكثر ميلًا إلى الإقرار بعدم امتلاكهن فهمًا كافيًا لطبيعة الذكاء الاصطناعي أو القدرة على التعامل مع أدواته، وهو ما قد ينعكس على معدلات استخدامهن لهذه التقنيات والاستفادة من إمكاناتها.
فجوة الذكاء الاصطناعي تتجاوز الوظائف التقنية
وعادة ما يُنظر إلى الفجوة بين الجنسين في مجال الذكاء الاصطناعي باعتبارها انعكاسًا لضعف تمثيل النساء في الوظائف التكنولوجية والمناصب القيادية، الأمر الذي يقلل من فرص مشاركتهن في اتخاذ القرارات المتعلقة بتصميم هذه التقنيات وتطويرها.
لكن نتائج دراسة هارفارد تشير إلى أن المشكلة أكثر اتساعًا وتعقيدًا، ولا تتوقف عند حدود التمثيل الوظيفي، بل تمتد إلى خمسة محاور رئيسية تشمل المشاركة في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، والحصول على التدريب والدعم اللازمين، ومعدلات استخدام الأدوات، ومستويات الثقة والفهم، فضلًا عن الحضور الإعلامي والاعتراف بالخبرة.
وتؤكد هذه النتائج أن معالجة الفجوة بين الرجال والنساء في مجال الذكاء الاصطناعي تتطلب رؤية شاملة لا تقتصر على زيادة أعداد النساء العاملات في القطاع التكنولوجي، وإنما تشمل أيضًا توسيع فرص حصولهن على التدريب والأدوات الحديثة، وتعزيز ثقتهن في التعامل معها، وإتاحة مساحة أكبر لمشاركتهن في تطويرها وتوجيه مسارها المستقبلي.
كما تبرز أهمية تعزيز حضور النساء باعتبارهن خبيرات ومتخصصات في النقاشات العامة والإعلامية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، بما يضمن تمثيلًا أكثر توازنًا لوجهات النظر والاحتياجات المختلفة في واحدة من أسرع التقنيات تطورًا وتأثيرًا في العالم.



