
بينما يتراوح الصراع في الشرق الأوسط بين الضربات العسكرية المركزة والضغوط الاقتصادية القصوى، تتصاعد التسريبات في الصحافة الأمريكية عن خلافات داخل الإدارة حول طريقة التعامل مع إيران قبل اندلاع الحرب، وفي أثناء القصف الجوي الذي انطلق في 28 فبراير 2026، وحتى عقب توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران في يونيو 2026.
وانضم وزير الجيش دان دريسكول لقائمة المستقيلين من إدارة ترامب على وقع خلافات مع وزير الحرب بيت هيجسيث؛ نتيجة محاولة دريسكول ترتيب لقاء يجمع الرئيس دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس مع جنود بالجيش لمناقشة خطط إصلاحه وإعادة تنظيمه.
وضربت الخلافات أعلى هرم الإدارة الأمريكية ممثلة في جناحي نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي يفضل النهج الدبلوماسي والعقوبات الاقتصادية القصوى، ووزير الخارجية ماركو روبيو المحسوب على المحافظين بجانب قربه من دوائر اللوبي الإسرائيلي.
وازدادت تلك الخلافات مع بروز تيار “ماجا” الانعزالي، الذي يتبنى خيار الانسحاب الأمريكي من صراعات الشرق الأوسط، وينتقد ما يعتبره انحيازًا من إدارة ترامب لأمن إسرائيل على حساب المصالح الأمريكية، ويتزعمه مذيع فوكس نيوز السابق تاكر كارلسون وعضوة مجلس النواب السابقة عن الحزب الجمهوري مارجوري تايلور جرين ومدير المركز الأمريكي لمكافحة الإرهاب المستقيل جو كينت.
وتأسيسًا على ما سبق: يتناول التحليل التالي حدود تأثير حرب إيران على خلافات الإدارة الأمريكية عامة والخلافات بالمستوى العسكري خاصة، وما يعنيه ذلك لمسار الصراع الأمريكي الإيراني.
خلافات متواترة
أعلن البيت الأبيض في 31 أغسطس 2026 أن وزير الجيش الأمريكي دان دريسكول -المُقرَّب من نائب الرئيس جيه دي فانس- سيتنحى عن منصبه، في أحدث موجة من الاستقالات داخل فريق الأمن القومي وأرفع مسؤولي وزارة الحرب المدنيين والعسكريين خلفًا لرئيس أركان الجيش المقال الجنرال راندي جورج واستقالة قائد القوات الأمريكية في أوروبا وإفريقيا كريس دوناهو، ويمكن الوقوف على أبعاد الخلاف بالمستوى السياسي العسكري على النحو التالي:
(*) صراع صلاحيات: بات الجيش الأمريكي موضع سجال داخل أركان إدارة ترامب مع استمرار الصراع ضد إيران خاصة مع بروز المخاوف المبكرة من استنزاف المخزون الحرج من الذخائر الدقيقة وتسريب خطط واشنطن وتل أبيب لإشراك المعارضة الكردية المسلحة في هجوم بري مدعوم بغطاء جوي واستخباراتي وتسليحي من الولايات المتحدة، بالتوازي مع ما كشفته صحيفة “وول ستريت جورنال” في أغسطس 2026 بأن مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية آنذاك تولسي جابارد، مدعومة بتقييمات مجتمع الاستخبارات الأمريكية، حذرت الرئيس دونالد ترامب في فبراير الماضي من اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي باعتباره لن يُسقط “الجمهورية الإسلامية” بل سيسمح بميلاد نظام أكثر تشددًا تجاه المطالب الأمريكية في الملف النووي، فضلًا عن إعاقة الملاحة عبر مضيق هرمز وتعريض القواعد العسكرية والجنود الأمريكيين في منطقة الشرق الأوسط للخطر.
وعلى الجانب الآخر، تجاهل ترامب تقييمات المخابرات الأمريكية واعتمد قرار شن الحرب على إيران على تقييمات الاستخبارات الإسرائيلية بالتوازي مع خطط البنتاجون للعمليات في إيران باعتبارها حاسمة في استهداف وتدمير منشآت عسكرية وإضعاف قدرة النظام على الصمود.
وفي بُعد آخر مرتبط بإعادة هيكلة الجيش وتوجيه القرار العسكري، تسببت سياسة وزير الحرب بيت هيجسيث “جنرالات أقل، جنود أكثر” في تهديد جيل كامل من القيادات الميدانية ذات الكفاءة والخبرة في ميادين القتال، بالتوازي مع عكوف وزير الجيش الذي ترك منصبه دان دريسكول، ورئيس أركان الجيش آنذاك راندي جورج لتحديث الجيش الأمريكي ودفعه لتبني التقنيات التجارية الحديثة منخفضة التكلفة مثل المُسيَّرات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأسهم في الضغط على المجمع الصناعي العسكري لإنتاج أسلحة رخيصة وتحويل استثمارات دفاعية خاصة بقيمة 25 مليار دولار في مشروعات إنشاء مراكز بيانات ومصافي لمعالجة المعادن الحرجة/الحيوية، إلى جانب مرافق للخدمات الغذائية بالقواعد العسكرية في أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية.
وتشير وسائل إعلام أمريكية إلى أن سبب التوتر الرئيسي بين وزير الحرب بيت هيجسيث ودريسكول يكمن في محاولة الأخير ترتيب لقاء للرئيس ترامب ونائبه فانس مع الجنود لمناقشة خطط إصلاح الجيش، ما دفع هيجسيث لتبني ترشيح المتحدث باسم البنتاجون شون بارنيل خلفًا له.
(*) تسييس الجيش: ترتبط استقالة دان دريسكول بتوتر داخل البنتاجون بإجراءات وزير الحرب التي تُبنى على الولاء السياسي والأيديولوجي، حيث تدخل هيجسيث في إزالة 25 ضابطًا من قوائم ترقيات 2026، أكثر من نصفهم من النساء وأصحاب البشرة السمراء، حسب صحيفة نيويورك تايمز، والتي أشارت في الوقت ذاته إلى أن وزير الحرب يعرقل ترقيات 4 ضباط كبار، لكونهم أعوان قيادات عسكرية تخالف آراء هيجسيث، مثل رئيس أركان الجيش المُقال راندي جورج.
ومنذ أبريل 2026، غادر عدد من الضباط الكبار مناصبهم بالجيش الأمريكي بمختلف أفرعه، وبدفع من وزير الحرب أو رفضًا لإجراءاته، وشمل ذلك وزير البحرية جون فيلان، ونائب رئيس أركان القوات الجوية جيمس سلايف، ورئيسة العمليات البحرية ليزا فرنشيتي، ومؤخرًا ، قائد الجيش الأمريكي في أوروبا وإفريقيا كريس دوناهو.
(*) سوء إدارة: طفت على السطح بعض الأزمات التمويلية واللوجيستية جراء تباين أولويات المستويين السياسي والعسكري في الولايات المتحدة، إلا أن تلك الأزمات كانت في أوضح صورها بسلاح البحرية نظرًا لتجاوز الإنفاق على العمليات القتالية “الغضب الملحمي” بنود رئيسية في ميزانية البحرية والتي بلغت في 2026 نحو 300 مليار دولار، ولم تشمل مخصصات الحرب على إيران، وهو ما يخصم من بنود الإنفاق الرئيسية المتمثلة في دفع الرواتب وبناء السفن وشراء نظم التسليح والعمليات والصيانة.
وأظهرت تصريحات رئيس عمليات البحرية الجنرال داريل كاودل، في حديثه مع الجنود عن حالة البحرية في سبتمبر 2026 أن عدد المشاركين في العمليات ضد إيران نحو 27 ألف بحار وعشرين سفينة، موضحًا أنه لا يمكن عودة جنود البحرية لبعض الثكنات بالمنطقة في الوقت الراهن.
وتتباين القراءات لحجم العجز المالي الذي تعانيه البحرية وأسبابه، حيث يقدر بنحو 8 مليارات دولار، ففي حين تضرر بند الرواتب جراء تحويل جزء من المخصصات لدعم العمليات القتالية وتوفير الذخائر، وجرى إرجاء بند أعمال الصيانة غير الضرورية للمنشآت البرية، عزا “كاودل” جانبًا من الأزمة التمويلية للارتفاع الكبير في بند الرواتب نتيجة عمليات إعادة التجنيد في مسرح العمليات.
انعكاسات محتملة
يظهر استعراض أبعاد الخلاف في أروقة البنتاجون وجود تباين بين رؤيتين، الأولى سياسية تركز على التوافق السياسي والأيديولوجي في هيكل القيادة العسكرية وتأييد رؤية وزير الحرب في بناء جيش كبير في عدد الجنود وأقل في عدد الجنرالات يتبنى عقيدة هجومية تركز على تحقيق النصر العسكري الحاسم (خاصة في حرب إيران رغم التكلفة المرتفعة لاستمرار الصراع دون أفق عملياتي وتكتيكي وزمني واضح)، والثانية عسكرية فنية تتبنى التغلب على معوقات التجنيد عبر توسع تطبيقات حروب المستقبل مثل المسيرات المدعومة بالذكاء الاصطناعي بدلًا من الاعتماد المفرط على المنصات العسكرية الكبيرة مثل حاملات الطائرات نظرًا لارتفاع تكالف التشغيل اليومي والأفق الزمني للانتشار العسكري، وما يعنيه ذلك من تحديات للبحارة على المستوي اللوجيستي وتبعات الانتشار المطول في مسرح عمليات من آثار نفسية على غرار ما واجهته حاملة الطائرات إبراهام لينكولن.
ويكمن الخلل الرئيسي في تحقيق التواؤم بين الرؤيتين دون التأثير على الجاهزية القتالية والحفاظ على الانتشار الملائم في مسارح الالتزام الحرجة بمنطقتي المحيطين والشرق الأوسط في المقام الأول وبدرجة أقل في أوروبا.
(&) المسار الأول: التصعيد المدار، وفيه يتم اختزال الخلاف داخل البنتاجون في البعد التمويلي مع مطالبات للكونجرس بالموافقة على تمويل طارئ لسد العجز، بالتوازي مع تحول تدريجي في اهتمام الإدارة باتجاه استحقاق الانتخابات النصفية واستمرار المواجهات بين وزير الحرب والمزيد من القادة العسكريين الرافضين لسياساته، يصاحبه على الجانب الآخر استمرار المناوشات في مضيق هرمز والساحل الجنوبي الإيراني وقياس ردود فعل طهران على الهجمات ومحاولة دفعها للقبول بتسوية، خاصة في حالة خسارة الحزب الجمهوري لأغلبيته الحاسمة في مجلسي النواب والشيوخ.
(&) المسار الثاني: الجمود النسبي (الأكثر ترجيحًا)، ويعتمد هذا المسار على تقييد خيارات وزير الحرب والإدارة الأمريكية أمام كونجرس منقسم بين الحزبين بما يؤخر أي خطط للتمويل الطارئ واستمرار الفراغ في عدد من المناصب القيادية في الجيش الأمريكي بما يؤثر على خطط بيت هيجسيث لتطوير الجيش، وفيه يستمر الانتشار العسكري الأمريكي حول إيران على واقعه الراهن، وبقاء إيران مسيطرة على مضيق هرمز مع تضاؤل أهميته الإستراتيجية تدريجيًا عبر المزيد من الطرق والممرات البديلة.
وإجمالًا: تمثل الاضطرابات داخل البنتاجون عَرَض نادر داخل أكبر قوة عسكرية في العالم، إذ يكشف عن قصور في الرؤية السياسية لاحتياجات تعزيز جاهزية الجيش، ومعالجة بطء وتيرة تبني الولايات المتحدة للتقنيات الناشئة مقارنة بمنافسيها الإستراتيجيين وفق رؤية القادة الميدانيين، إلا أن ذلك لن يخلق تغيرًا جوهريًا في موقف طرفي الصراع سواء بسقوط النظام الإيراني أو بتغيير جوهري في موقف الإدارة داخليًا بخروج هيجسيث من المشهد، وتحول اتجاه الكونجرس الأمريكي لإجبار الإدارة على إنهاء الحرب دون انتصار أو تسوية مستدامة للصراع.
