تحل ذكرى ثورة أكتوبر الروسية، التي قادها البلاشفة عام 1917، وأسفرت عن إسقاط الحكومة المؤقتة ووصول فلاديمير لينين ورفاقه إلى السلطة، في تحول سياسي كبير غيّر مسار روسيا والعالم خلال القرن العشرين.
وتُعرف الثورة باسم «ثورة أكتوبر» نسبة إلى التقويم اليولياني الذي كانت تستخدمه روسيا آنذاك، إذ بدأت أحداثها الحاسمة في 25 أكتوبر 1917 وفق التقويم القديم، الموافق 7 نوفمبر بالتقويم الميلادي المعمول به حالياً. وجاءت الثورة في ظل أزمة سياسية واقتصادية حادة، تفاقمت بفعل مشاركة روسيا في الحرب العالمية الأولى، وتراجع الأوضاع المعيشية، وتصاعد الاحتجاجات العمالية والفلاحية.
البلاشفة يستغلون أزمة الحكومة المؤقتة للوصول إلى السلطة
مثّلت ثورة أكتوبر المرحلة الثانية من الثورة الروسية عام 1917، بعدما أطاحت ثورة فبراير بالحكم القيصري وأجبرت القيصر نيقولا الثاني على التنازل عن العرش، لتتولى حكومة مؤقتة إدارة البلاد.
لكن الحكومة الجديدة واجهت أزمات متلاحقة، أبرزها استمرار الحرب العالمية الأولى، وتدهور الاقتصاد، وتصاعد المطالب الشعبية بتوفير الغذاء وتحقيق السلام وإعادة توزيع الأراضي.
وفي ظل هذه الظروف، تمكن الحزب البلشفي بقيادة فلاديمير لينين، وبمشاركة ليون تروتسكي، من حشد قطاعات من العمال والجنود، وطرح شعار إنهاء الحرب ونقل السلطة إلى مجالس السوفييت، وهي مجالس تمثيلية للعمال والجنود.
وفي أكتوبر 1917، تحرك البلاشفة للسيطرة على المراكز الحيوية في العاصمة بتروغراد، واستولوا على مواقع استراتيجية، قبل أن يسقط مقر الحكومة المؤقتة، قصر الشتاء، وتنتقل السلطة إلى القيادة البلشفية.
أفكار كارل ماركس شكلت الأساس النظري للثورة
استند المشروع البلشفي إلى الماركسية، التي أسسها الفيلسوف والاقتصادي الألماني كارل ماركس بالتعاون مع فريدريك إنجلز، وركزت على الصراع الطبقي ونقد النظام الرأسمالي والدعوة إلى تجاوز الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج في إطار بناء مجتمع اشتراكي.
لكن لينين طوّر الماركسية بما يتناسب مع الظروف الروسية، وطرح تصوراً لدور الحزب الثوري المنظم في قيادة التغيير السياسي والاستيلاء على السلطة.
ومن هنا، لم تكن الثورة مجرد انتفاضة ضد الحكومة المؤقتة، بل محاولة لإعادة تشكيل النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، عبر نقل السلطة إلى البلاشفة وإعادة تنظيم ملكية الأراضي والمصانع ومؤسسات الدولة.
انهيار الإنتاج الصناعي والبطالة فاقما الغضب الشعبي
واجهت روسيا عام 1917 أزمة اقتصادية عميقة، ارتبطت بسنوات الحرب العالمية الأولى واضطراب النقل والإمدادات وتراجع القدرة الإنتاجية في قطاعات متعددة.
وبحسب الأرقام الواردة في كتاب «حدث في مثل هذا اليوم»، إعداد فادي أسعد فرحات، انخفض إجمالي الإنتاج الصناعي خلال عام 1917 بأكثر من 36% مقارنة بعام 1916، كما أُغلقت منشآت صناعية في مناطق الأورال ودونباس ومراكز إنتاج أخرى، وارتفعت معدلات البطالة.
وساهمت اضطرابات السكك الحديدية والنقل في تعقيد توزيع السلع والمواد الخام، بينما واجهت المدن صعوبات في الحصول على الغذاء والوقود، وهو ما انعكس على الحياة اليومية للعمال وسكان المراكز الحضرية.
ولم تكن الأزمة الاقتصادية منفصلة عن الأزمة السياسية؛ فقد أدى استمرار الحرب وتراجع الثقة في الحكومة المؤقتة إلى تعزيز نفوذ القوى التي وعدت بإنهاء الصراع وتغيير الأوضاع الاجتماعية.
تراجع الأجور وارتفاع الأسعار زادا الضغوط على العمال
تزامنت الأزمة الصناعية مع تراجع القوة الشرائية للأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، في ظل التضخم واضطراب الأسواق وتزايد الإنفاق العسكري.
وتشير دراسات تاريخية إلى أن الأسعار شهدت ارتفاعات كبيرة خلال عام 1917، بينما واجهت الحكومة صعوبة في تمويل الحرب والوفاء بالتزاماتها المالية. وأدى التوسع في إصدار النقود الورقية، إلى جانب تراجع الثقة في العملة، إلى تفاقم الضغوط التضخمية.
وتقدم هذه الظروف تفسيراً مهماً لتصاعد الاحتجاجات العمالية والإضرابات، وتنامي التأييد لشعارات البلاشفة المتعلقة بالسلام والخبز والسلطة.
أما الأرقام الخاصة بتراجع الأجور الحقيقية والديون الواردة في بعض الروايات، فتحتاج إلى تحديد مصدرها وطريقة حسابها قبل اعتمادها باعتبارها مؤشرات دقيقة على الوضع الاقتصادي الروسي قبيل الثورة.
من الثورة البلشفية إلى تأسيس الاتحاد السوفيتي
لم يؤد وصول البلاشفة إلى الحكم إلى استقرار فوري في روسيا؛ إذ دخلت البلاد مرحلة جديدة من الصراع السياسي والعسكري، شملت الحرب الأهلية بين الجيش الأحمر والقوى المناهضة للحكم البلشفي، إلى جانب تدخلات عسكرية أجنبية وأزمات اقتصادية واسعة.
وخلال السنوات التالية، عملت القيادة البلشفية على إعادة تنظيم مؤسسات الدولة والاقتصاد، وترسيخ سلطة الحزب، قبل إعلان تأسيس اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية في ديسمبر 1922.



