
تنطلق فعاليات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، غدًا الثلاثاء، في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي تعقد هذا العام في ظل مشهد دولي مضطرب وتحديات متصاعدة.
وتعقد الدورة الجديدة تحت شعار “استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة تُحقق المنفعة للجميع”، في وقت تتسع فيه الفجوة بين حجم الأزمات العالمية وقدرة النظام الدولي على احتوائها، بينما يواجه العمل متعدد الأطراف اختبارًا صعبًا في ظل الحروب والانقسامات الجيوسياسية والأزمات الإنسانية والمناخية والاقتصادية المتشابكة.
وتدخل الأمم المتحدة دورتها الجديدة بجدول أعمال حافل يتناول أبرز القضايا التي تشغل المجتمع الدولي، من الحروب والنزاعات وقضايا السلم والأمن الدوليين، إلى التنمية المستدامة والعمل المناخي والصحة العالمية وحقوق الإنسان، وصولًا إلى حوكمة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وإصلاح المنظمة الدولية؛ غير أن هذه الملفات، على تنوعها، تلتقي عند سؤال أكثر عمقًا يتعلق بالأمم المتحدة ذاتها، ومدى قدرة النظام الدولي الذي تمثله، والذي تأسس قبل أكثر من ثمانية عقود، على مواكبة عالم تغيرت فيه موازين القوى وتعددت مراكز التأثير، بينما ازدادت الأزمات تعقيدًا وتشابكًا.
القضية الفلسطينية
وفي مقدمة الملفات السياسية والإنسانية المطروحة، من المرجح أن تشغل القضية الفلسطينية والعدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، وتداعياته الإنسانية والسياسية حيزًا واسعًا من مداولات الدورة، في ظل استمرار الأزمة وتحولها إلى اختبار لمصداقية النظام الدولي والقانون الدولي الإنساني وقدرة الأمم المتحدة على حماية المدنيين.
ومن المنتظر أن تتركز المناقشات في هذا السياق على مستقبل قطاع غزة وإعادة الإعمار وتدفق المساعدات الإنسانية، ودور وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا، إلى جانب مستقبل القضية الفلسطينية والجهود الرامية إلى إحياء مسار حل الدولتين.
كما ستكون الحرب في أوكرانيا حاضرة بقوة في المناقشات، بعد أن أصبحت منذ اندلاعها أواخر فبراير عام 2022 إحدى أبرز نقاط الانقسام بين روسيا والغرب، وألقت بتداعيات واسعة على الأمن الأوروبي وأسواق الطاقة والغذاء والإنفاق العسكري العالمي. وإلى جانب الأوضاع في قطاع غزة وأوكرانيا، ستتصدر قضايا السلم والأمن في مناطق عديدة من العالم، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط، اهتمامات الدول الأعضاء، في ظل استمرار النزاعات وتفاقم الأزمات الإنسانية، وما تفرضه من تحديات متزايدة على قدرة المجتمع الدولي على منع النزاعات وتسويتها والاستجابة لتداعياتها.
الحروب والنزاعات
ولن تحتكر الحروب والنزاعات جدول أعمال الدورة، إذ تستعد الجمعية العامة لسلسلة من الاجتماعات والفعاليات رفيعة المستوى تتناول التنمية والمناخ والصحة وحقوق الإنسان ونزع السلاح، في محاولة لإعادة الزخم إلى مسارات العمل الدولي التي تعرضت خلال السنوات الماضية لصدمات متلاحقة بفعل جائحة كورونا /كوفيد – 19/ والحروب وأزمات الديون والغذاء والطاقة والتضخم.
وفي هذا الإطار، تكتسب أهداف التنمية المستدامة أهمية خاصة خلال الدورة الحادية والثمانين، مع اقتراب الموعد المحدد لتنفيذ أجندة 2030، فيما تسعى الأمم المتحدة إلى حشد إرادة سياسية متجددة لتسريع وتيرة تحقيق هذه الأهداف ومعالجة الفجوات المتزايدة في مسارات التنمية.
تغير المناخ
ويتضمن جدول أعمال الدورة إقامة فعالية “لحظة أهداف التنمية المستدامة” في الثامن عشر من سبتمبر، فيما تبدأ المناقشة العامة رفيعة المستوى في الثاني والعشرين من الشهر ذاته، لتشكل المحطة الأبرز في أعمال الدورة ومناسبة لعرض مواقف الدول إزاء أبرز القضايا والأزمات الدولية.
وسيكون المناخ حاضرًا ضمن الاجتماعات رفيعة المستوى، من خلال اجتماع للعمل المناخي و”الانتقال العادل” في الثالث والعشرين من سبتمبر، يعقبه في اليوم التالي اجتماع رفيع المستوى يتناول التهديدات الوجودية الناجمة عن ارتفاع مستوى سطح البحر، في ظل تصاعد تداعيات تغير المناخ، لا سيما على الدول الجزرية والمجتمعات الأكثر عرضة للمخاطر.
كما تستضيف الجمعية العامة في الثالث والعشرين من سبتمبر اجتماعًا رفيع المستوى بمناسبة مرور أربعين عامًا على اعتماد إعلان الحق في التنمية، بما يفتح المجال أمام مناقشة التفاوتات التنموية والتمويل والديون والفجوة بين الشمال والجنوب، والمطالب بإقامة نظام اقتصادي دولي أكثر توازنًا وإنصافًا.
الأمن الصحي
ويحضر ملف الأمن الصحي العالمي كذلك ضمن أجندة الدورة، حيث تعقد الجمعية العامة في الخامس والعشرين من سبتمبر اجتماعًا رفيع المستوى بشأن الوقاية من الجوائح والتأهب والاستجابة لها، يعيد إلى الواجهة قضايا جاهزية الأنظمة الصحية، والإنذار المبكر، والوصول العادل إلى اللقاحات والأدوية، وتمويل الاستعداد والاستجابة للطوارئ الصحية.
ويتواصل برنامج الاجتماعات رفيعة المستوى في الثامن والعشرين من سبتمبر باجتماع بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لاعتماد إعلان وبرنامج عمل ديربان، الذي يمثل إطارًا أمميًا لمكافحة العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب وما يتصل بذلك من تعصب، فيما تشهد الجمعية العامة في التاسع والعشرين من الشهر اجتماعًا عامًا رفيع المستوى لإحياء اليوم الدولي للإزالة الكاملة للأسلحة النووية والترويج له، في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية المرتبطة بالتسلح النووي ومستقبل منظومة نزع السلاح.
الذكاء الاصطناعي
وبموازاة هذه الملفات التقليدية، تبرز حوكمة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بوصفها واحدة من القضايا الصاعدة على جدول أعمال الأمم المتحدة، بعدما وضع رئيس الجمعية العامة حوكمة التقنيات الناشئة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، ضمن أولويات الدورة، إلى جانب السلم والأمن والتنمية المستدامة والمناخ وحقوق الإنسان وإصلاح الأمم المتحدة.
ولا تقتصر أعمال الدورة على الأسبوع رفيع المستوى، إذ يستمر العمل على مدار عام كامل، من سبتمبر 2026 وحتى سبتمبر 2027، من خلال اللجان الرئيسية الست للجمعية العامة التي تبحث ملفات نزع السلاح والأمن الدولي، والقضايا الاقتصادية والمالية، والشؤون الاجتماعية والإنسانية والثقافية، والمسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار، والشؤون الإدارية والميزانية، والقضايا القانونية.
وفي موازاة جدول الأعمال الدولي المثقل بالأزمات، سيكون إصلاح الأمم المتحدة نفسها من أكثر الملفات حساسية خلال الدورة الجديدة، في ظل تزايد الدعوات إلى تطوير مؤسساتها وآليات عملها بما يعكس التحولات التي شهدها النظام الدولي، ويعزز قدرتها على الاستجابة للأزمات.
وتتزامن هذه النقاشات مع تحديات مالية تواجهها المنظمة، في ظل الضغوط على السيولة الناجمة عن التأخر أو النقص في سداد بعض الدول الأعضاء لاشتراكاتها المقررة، وهو ما يضيف بعدًا آخر إلى النقاش بشأن مستقبل الأمم المتحدة وقدرتها على أداء مهامها.
