المحكمة العليا في الصومال تقضي بانتهاء ولاية الرئيس.. مهلة 90 يومًا للانتخابات وأزمة دستورية مفتوحة
قضت المحكمة العليا الصومالية بانتهاء ولاية الرئيس حسن شيخ محمود ورفضت تمديدها عامًا إضافيًا، وحددت مهلة للتوافق على الانتخابات وسط أزمة دستورية وأمنية.
حكم قضائي يفتح مواجهة دستورية في مقديشو
دخلت الصومال مرحلة جديدة من التوتر السياسي والدستوري بعد أن قضت المحكمة العليا بانتهاء ولاية الرئيس حسن شيخ محمود، ورفضت اعتبار التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان أساسًا لتمديد بقاء الرئيس الحالي في منصبه حتى عام 2027.
وأصدرت المحكمة قرارها يوم الخميس 5 نوفمبر 2026، مطالبة القيادات السياسية بالتوصل إلى اتفاق بشأن آلية إجراء الانتخابات خلال فترة محددة، كما وجهت بأن تقتصر إدارة الحكومة على الأعمال الاعتيادية لحين إجراء التصويت، وفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس في تقرير نشرته في 6 نوفمبر.
ويأتي الحكم في ظل خلاف حاد بين الرئاسة والمعارضة والإدارات الإقليمية حول موعد الانتخابات وطبيعتها، وبعد أيام من قرار الرئيس عزل رئيس المحكمة العليا، وهو ما رفضته المحكمة واعتبرته مخالفًا للدستور ومحاولة للتأثير في نظر النزاع المتعلق بتمديد الولاية.
لماذا رفضت المحكمة تمديد ولاية الرئيس؟
تعود جذور الخلاف إلى تعديلات دستورية أقرها البرلمان في مارس 2026، تضمنت تمديد مدة ولاية الرئيس والبرلمان من أربع سنوات إلى خمس سنوات. واستندت الرئاسة إلى هذه التعديلات لتبرير استمرار الرئيس الحالي في منصبه حتى عام 2027.
لكن المحكمة العليا رأت أن التعديل لا يمنح شاغلي المناصب الحاليين سنة إضافية تلقائيًا، وأن المدة التي انتُخبوا على أساسها قد انتهت. وبذلك فصلت المحكمة بين تعديل القاعدة الدستورية للمستقبل وبين تطبيقها على ولاية بدأت بالفعل وفق مدة سابقة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية دستورية؛ لأن تغيير مدة الولاية قد يثير سؤالًا حول ما إذا كان التعديل يسري على المؤسسات القائمة أم على المؤسسات التي تنتخب بعد دخوله حيز النفاذ. ويتوقف الجواب على نصوص الدستور والقواعد الانتقالية ومبدأ استقرار المراكز القانونية.
مهلة للتوافق على الانتخابات
منحت المحكمة القيادات السياسية مهلة للتوصل إلى اتفاق بشأن تنظيم الانتخابات، وحددت إطارًا زمنيًا يصل إلى 90 يومًا لإجراء العملية الانتخابية، بحسب التقرير المنشور. كما دعت إلى قصر مهام الحكومة خلال الفترة الانتقالية على إدارة الأعمال الاعتيادية، بما يحد من اتخاذ قرارات سياسية أو إدارية واسعة قد تؤثر في المرحلة المقبلة.
وتظهر أهمية هذه المهلة في أنها لا تقتصر على تحديد موعد للتصويت، بل تضع الأطراف أمام ضرورة الاتفاق على قواعد العملية الانتخابية، والجهة التي ستشرف عليها، وآلية تسجيل الناخبين، وترتيبات الأمن، وكيفية التعامل مع الخلافات بشأن توزيع الصلاحيات بين الحكومة الاتحادية والإدارات الإقليمية.
لكن المحكمة لم تحدد، وفق المعلومات المنشورة، اسم شخص يتولى الرئاسة بدلًا من حسن شيخ محمود، كما لم توضح بصورة تفصيلية ما الذي سيحدث إذا فشلت القوى السياسية في الاتفاق خلال المدة المحددة.
عزل رئيس المحكمة يزيد الأزمة تعقيدًا
جاء قرار المحكمة بعد يوم واحد من إعلان الرئاسة عزل رئيس المحكمة العليا باعشي يوسف أحمد، مبررة ذلك بوجود شكاوى تتعلق بإدارة العدالة والحاجة إلى إصلاح القضاء.
غير أن المحكمة رفضت قرار العزل، وقالت إن الرئيس تجاوز صلاحياته الدستورية، وإن الإجراء جاء في سياق محاولة تعطيل مراجعة المحكمة للتعديلات المتعلقة بمدد الولايات.
ويثير هذا التطور سؤالًا حول استقلال السلطة القضائية، خاصة عندما يصبح رئيس الدولة طرفًا مباشرًا في النزاع المعروض على المحكمة. فالفصل بين السلطات يهدف إلى منع تركيز سلطة التشريع والتنفيذ والفصل القضائي في يد جهة واحدة، ويمنح القضاء دورًا في مراجعة مدى التزام المؤسسات بالقواعد الدستورية.
ومع ذلك، فإن تحديد مشروعية قرار العزل وآثاره يتطلب الرجوع إلى النصوص الدستورية المنظمة لتعيين رئيس المحكمة وعزله، وإلى منطوق الحكم وأسبابه الكاملة.
الخلاف مع الإدارات الإقليمية
لا يقتصر النزاع على الرئيس والمعارضة، بل يمتد إلى الإدارات الإقليمية التي ترفض بعضُها جدول الانتخابات المقترح وتتمسك بضرورة التوافق على آلية انتخابية مقبولة.
وتؤدي الإدارات الإقليمية دورًا مهمًا في النظام السياسي الصومالي، لأن إدارة الانتخابات والأمن وتوزيع الصلاحيات تتطلب تعاونًا بين الحكومة الاتحادية والولايات. ولذلك فإن أي اتفاق لا يحظى بقبول الأطراف الرئيسية قد يواجه صعوبات في التنفيذ.
كما أن الخلاف السياسي قد ينعكس على التنسيق الأمني، في دولة تواجه تهديدات مسلحة وتحتاج إلى تعاون المؤسسات المختلفة لمواجهة الجماعات المتطرفة وتأمين المدن والطرق.
مخاوف من تصعيد أمني
تأتي الأزمة في وقت تشهد فيه مقديشو توترات واشتباكات مرتبطة بالخلافات السياسية، وفق التقارير المنشورة. ويزيد ذلك من خطورة استمرار النزاع الدستوري دون تسوية؛ لأن الفراغ السياسي أو ضعف التنسيق بين المؤسسات قد يخلق مساحة لاضطرابات أمنية.
وأشارت تقارير إلى انتشار قوات حكومية بالقرب من مقر المحكمة العليا عقب صدور الحكم، كما تحدثت وسائل إعلام محلية عن إجراءات أمنية مشددة. لكن لا ينبغي تقديم هذه التحركات وحدها باعتبارها دليلًا على وقوع انقلاب أو حسم عسكري للنزاع.
ما السيناريوهات المقبلة؟
يظل السيناريو الأول هو التوصل إلى اتفاق سياسي يحدد موعد الانتخابات وآليتها، مع احترام الحكم القضائي وتجنب التصعيد. أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار الخلاف بين الرئاسة والمحكمة والإدارات الإقليمية، بما قد يؤدي إلى تعطيل العملية الانتخابية.
وهناك أيضًا احتمال اللجوء إلى مسارات قانونية أو سياسية إضافية لتفسير التعديلات الدستورية، لكن ذلك يحتاج إلى وضوح بشأن الجهة المختصة وحدود صلاحياتها.
الخلاصة
يمثل حكم المحكمة العليا الصومالية اختبارًا حقيقيًا للعلاقة بين السلطات، بعد رفض تمديد ولاية الرئيس حتى 2027 والدعوة إلى تنظيم الانتخابات خلال مهلة محددة. وتبقى الأزمة مفتوحة على احتمالات سياسية وأمنية مختلفة، بينما يتوقف احتواؤها على قبول الأطراف بنتائج المسار الدستوري والتوصل إلى اتفاق انتخابي قابل للتنفيذ.



