توعية قانونية مجانية · استشارات مع محامين متخصصين 01151760099واتسابيوتيوب

المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تنتصر لحق الإضراب في سويسرا وتحذر من غموض القواعد القانونية

مي محمد 6 نوفمبر 2026 قراءة ٥ دقيقة
المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تنتصر لحق الإضراب في سويسرا وتحذر من غموض القواعد القانونية

المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تنتصر لحق الإضراب في سويسرا وتحذر من غموض القواعد القانونية

قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بوقوع انتهاك لحرية التجمع والتنظيم النقابي في سويسرا، بعد معاقبة موظفين شاركوا في إضراب داخل مستشفى خاص.

أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكمًا مهمًا بشأن حماية حق الإضراب، بعدما خلصت إلى وقوع انتهاك لحرية التجمع والتنظيم النقابي في قضية عمال مستشفى خاص بسويسرا، تعرضوا لإجراءات عقابية بسبب مشاركتهم في تحرك احتجاجي مرتبط بخلاف حول اتفاقية جماعية للعمل.

ويعيد الحكم، الصادر في 5 نوفمبر 2026، تسليط الضوء على العلاقة بين حق العمال في الاحتجاج الجماعي، وسلطة المحاكم الوطنية في تفسير القواعد المنظمة للإضراب، خاصة عندما يؤدي التفسير القضائي إلى فرض عقوبات على العاملين أو ممثلي النقابات بسبب استمرارهم في تحرك اعتقدوا أنه مشروع.

وتكمن أهمية القضية في أن المحكمة لم تكتفِ بالنظر إلى وجود نص وطني يعترف بحق الإضراب، بل بحثت أيضًا مدى وضوح القواعد التي تحدد متى يكون هذا الحق محميًا، وما إذا كان من الممكن تحميل العمال مسؤولية مخالفة قانونية بناءً على تفسير لم يكن واضحًا أو متوقعًا وقت ممارسة الإضراب.

خلفية النزاع داخل المستشفى السويسري

تعود القضية إلى إضراب نفذه عدد من العاملين في مستشفى خاص، بعد خلاف مرتبط بانسحاب المستشفى من اتفاقية للمفاوضة الجماعية. وكانت هذه الاتفاقية تنظم جوانب من العلاقة بين جهة العمل والعاملين، بما في ذلك الشروط المهنية والحقوق المرتبطة بالعمل.

ومع تصاعد الخلاف، شارك موظفون في الإضراب، بينما تولى ممثلو النقابات مهمة التفاوض بشأن مطالب العاملين. لكن السلطات والمحاكم السويسرية اعتبرت التحرك غير قانوني، وهو ما ترتب عليه فصل الموظفين المشاركين فيه، إلى جانب فرض عقوبات جنائية على مسؤولي النقابات الذين كُلفوا بإدارة المفاوضات.

وأصبح النزاع بذلك مرتبطًا بمسألة تتجاوز الخلاف العمالي المباشر، وهي ما إذا كانت القواعد الوطنية تسمح باعتبار الإضراب غير مشروع بأثر رجعي، استنادًا إلى تقدير قضائي لاحق بأن صاحب العمل قدم شروطًا كان من الممكن أن تجعل استمرار الإضراب غير ضروري.

لماذا اعتبرت المحكمة الأوروبية أن هناك انتهاكًا؟

ركزت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على مدى وضوح القواعد القانونية التي تحكم ممارسة الإضراب في سويسرا. وأشارت إلى أن المادة 28 من الدستور السويسري تكفل حق الإضراب، لكن النصوص والاجتهادات القضائية الوطنية لم تقدم أساسًا واضحًا يسمح بالقول إن الإضراب الذي بدأ بصورة قانونية يمكن أن يتحول إلى عمل غير مشروع لمجرد أن المحكمة رأت لاحقًا أن صاحب العمل عرض شروطًا تجعل مواصلة الاحتجاج غير ضرورية.

واعتبرت المحكمة أن هذا التفسير خلق حالة من عدم اليقين لدى النقابات والعاملين بشأن الحدود التي يمكنهم التحرك داخلها دون التعرض لعقوبات أو فقدان الحماية القانونية.

فالعامل الذي يشارك في إضراب يحتاج إلى معرفة القواعد التي تحكم تصرفه وقت اتخاذ القرار، كما تحتاج النقابة إلى تصور واضح بشأن اللحظة التي يصبح فيها استمرار الإضراب مخالفًا للقانون. وإذا كانت هذه الحدود غير محددة بما يكفي، فإن ذلك قد يضعف القدرة الفعلية على ممارسة الحق حتى لو كان معترفًا به دستوريًا.

العلاقة بين حق الإضراب وحرية التنظيم النقابي

يرتبط حق الإضراب ارتباطًا وثيقًا بحرية التنظيم النقابي، لأن النقابات لا تقتصر وظيفتها على تمثيل العمال في الاجتماعات أو تقديم المطالب، بل تشمل أيضًا استخدام وسائل العمل الجماعي المشروعة للدفاع عن مصالح أعضائها.

ولهذا السبب، فإن فرض عقوبات على الموظفين أو ممثلي النقابات بسبب إضراب لا تحكمه قواعد واضحة قد يؤدي إلى أثر يتجاوز الأشخاص الذين شملتهم القضية. فقد يدفع العاملين في مؤسسات أخرى إلى الامتناع عن المشاركة في تحركات جماعية خشية التعرض للفصل أو الملاحقة، حتى عندما تكون لديهم أسباب مهنية جدية للاحتجاج.

ولا يعني ذلك أن حق الإضراب مطلق أو أنه يبيح تعطيل الخدمات دون أي ضوابط؛ فالدول تستطيع تنظيم ممارسة الإضراب، ويمكن أن تضع قيودًا قانونية لحماية حقوق الآخرين والمصالح العامة. لكن هذه القيود يجب أن تكون واضحة ويمكن توقع آثارها، وأن تحقق توازنًا مناسبًا بين مصالح العاملين وصاحب العمل والمجتمع.

أثر الحكم على القوانين الوطنية

يضع الحكم أمام السلطات السويسرية ضرورة مراجعة الطريقة التي تُفسر بها القواعد المنظمة للإضراب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتحديد اللحظة التي يفقد فيها التحرك العمالي الحماية القانونية.

ومن المهم التمييز بين حالتين: الأولى أن يكون الإضراب مخالفًا لشروط قانونية واضحة ومعلومة مسبقًا، والثانية أن يُعتبر غير مشروع بسبب تفسير لاحق لم يكن بإمكان العاملين توقعه بصورة معقولة. والحكم يركز بصورة أساسية على الحالة الثانية، وعلى ما تسببه من غموض قانوني يضعف ممارسة الحقوق النقابية.

كما يبرز القرار مسؤولية المحاكم الوطنية عن تطبيق النصوص بطريقة تحافظ على جوهر الحقوق المكفولة بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وعدم الاكتفاء بقراءة شكلية للنصوص الدستورية دون النظر إلى أثر تفسيرها على أرض الواقع.

هل يمنع الحكم معاقبة أي عامل يشارك في الإضراب؟

لا. فالمحكمة لم تقرر أن جميع الإضرابات مشروعة بصرف النظر عن ظروفها، ولم تمنح العاملين حصانة عامة من القواعد المهنية أو القانونية. لكنها أكدت أن القيود المفروضة على ممارسة الحق يجب أن تكون واضحة ومتوقعة، وأن السلطات لا يجوز لها الاعتماد على تفسير غير مستقر أو غير محدد بما يكفي لتجريد العمال من الحماية القانونية.

وبالتالي، يظل من الممكن تنظيم الإضراب وفق القانون الوطني، لكن يجب أن تكون الشروط والإجراءات والقيود معلنة بصورة تسمح للعاملين والنقابات بفهم ما هو مسموح وما هو محظور قبل اتخاذ قرار المشاركة في الاحتجاج.

خاتمة

يشكل حكم «ألونسو راديسكا وآخرين ضد سويسرا» رسالة قانونية مهمة بشأن ضرورة حماية حق الإضراب من التفسيرات المفاجئة التي تخلق حالة من عدم اليقين. فوجود الحق في الدستور لا يكفي وحده إذا كانت القواعد التطبيقية تسمح بمعاقبة العاملين بناءً على معايير لم يكن من الممكن توقعها. ويؤكد الحكم أن وضوح القانون عنصر أساسي في حماية الحريات النقابية، وأن التوازن بين حقوق العمال ومصالح أصحاب العمل يجب أن يتم في إطار قانوني قابل للفهم والتوقع.

عندك موضوع شبه ده؟احجز استشارة مع محامٍ متخصص، حضوري أو أونلاين.
احجز استشارة ←