القضاء الكيني يحكم بالسجن 200 عام على زعيم طائفة بعد إدانته بقتل 191 شخصًا
أصدرت محكمة كينية حكمًا بالسجن 200 عام على بول ماكنزي بعد إدانته بقتل 191 شخصًا، بينهم 190 طفلًا، في واحدة من أخطر القضايا الجنائية التي شهدتها البلاد.
أصدرت المحكمة العليا في مدينة مومباسا الكينية حكمًا بالسجن لمدة 200 عام على القس بول ماكنزي، زعيم كنيسة «الأخبار السارة الدولية»، بعد إدانته بالمسؤولية عن مقتل 191 شخصًا، بينهم 190 طفلًا، في قضية ارتبطت بتوجيه أتباعه إلى الامتناع عن الطعام تحت مزاعم دينية تتعلق بالاستعداد للقاء المسيح.
ويعيد الحكم، الصادر يوم 6 نوفمبر 2026، تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا الجنائية إثارة للصدمة في كينيا خلال السنوات الأخيرة، بعدما كشفت التحقيقات عن وفاة أعداد كبيرة من الأشخاص في منطقة نائية، ودفن جثامينهم في مقابر جماعية، وسط اتهامات للمتهم الرئيسي ومساعديه باستغلال المعتقدات الدينية والسيطرة على أتباع الجماعة.
وتكمن أهمية القرار القضائي في أنه لا يقتصر على تحديد العقوبة، بل يعكس اتجاه المحكمة إلى تحميل قائد الجماعة المسؤولية الجنائية الرئيسية عن الأفعال التي ارتكبت في إطار تنظيم كان يسيطر على حياة أتباعه ويحدد لهم سلوكهم اليومي.
تفاصيل الحكم الصادر بحق بول ماكنزي
قضت المحكمة العليا في مومباسا بسجن بول ماكنزي لمدة 200 عام، بعد إدانته بقتل 191 شخصًا، بينهم 190 طفلًا وشخص بالغ. وكانت المحكمة قد خلصت في 19 أكتوبر 2026 إلى إدانة المتهمين في القضية، وعددهم 29 شخصًا، قبل أن تصدر أحكام العقوبة في جلسة السادس من نوفمبر.
وقالت القاضية ديانا كافيدزا إن ماكنزي يتحمل المسؤولية الجنائية الأساسية عن نقل أتباعه إلى منطقة نائية، وتوجيههم إلى الصيام حتى الموت، في إطار ادعاءات دينية قدمها لهم باعتبارها طريقًا للوصول إلى الخلاص.
وشملت قائمة المتهمين 28 شخصًا آخرين إلى جانب ماكنزي، من بينهم أشخاص اتهموا بفرض تعليماته على الأتباع، وحراسة المواقع التي كان يقيم فيها أفراد الجماعة، والمساعدة في حفر القبور وإخفاء الجثامين. وأنكر معظم المتهمين الاتهامات الموجهة إليهم، بينما أقر أحدهم بالذنب وطلب الرأفة.
وتوضح وقائع القضية أن المحكمة لم تنظر إلى الوفيات باعتبارها حوادث منفصلة، بل بحثت في طبيعة التنظيم الذي كان يقوده ماكنزي، ومدى سيطرته على الأتباع، والدور الذي لعبته التعليمات الصادرة عنه في وقوع الوفيات.
كيف بدأت قضية مقابر شاكاهولا؟
تعود جذور القضية إلى منطقة شاكاهولا في مقاطعة كيليفي الساحلية، حيث كان أتباع الجماعة يعيشون في ظروف منعزلة داخل أكواخ بدائية، بعيدًا عن رقابة المجتمعات المحيطة.
وفي عام 2023، بدأت السلطات الكينية عمليات بحث واسعة في المنطقة، بعدما ظهرت مؤشرات على وجود وفيات جماعية داخل الموقع. وأسفرت أعمال الحفر عن العثور على مئات الجثامين في قبور ضحلة، في واحدة من أكبر عمليات اكتشاف الوفيات المرتبطة بجماعة دينية في تاريخ البلاد الحديث.
وأشارت التحقيقات إلى أن بعض أتباع الجماعة امتنعوا عن تناول الطعام بناءً على تعليمات دينية صادرة عن قياداتها، وأن الأطفال كانوا من بين أكثر الفئات تضررًا. كما كشفت القضية عن اتهامات تتعلق بعزل الأتباع عن العالم الخارجي، ومنعهم من الحصول على المساعدة، وفرض رقابة على تحركاتهم.
وبلغ عدد الجثامين التي جرى انتشالها من المنطقة أكثر من 400 جثمان خلال التحقيقات التي بدأت في 2023، لكن الحكم الصادر في القضية الحالية يتعلق بإدانة المتهمين في جرائم قتل 191 شخصًا تحديدًا. ومن المهم عدم الخلط بين العدد الإجمالي للجثامين التي عُثر عليها وبين عدد الضحايا الذين شملتهم هذه الإدانة القضائية.
المسؤولية الجنائية لقائد الجماعة
أبرز ما يلفت الانتباه في الحكم هو تركيز المحكمة على الدور القيادي الذي أداه ماكنزي، وليس فقط على وجوده في موقع الأحداث. فالمسؤولية الجنائية قد تقوم عندما يثبت أن الشخص أصدر تعليمات أو أوامر أسهمت بصورة مباشرة في وقوع الجريمة، أو استخدم سلطته على الآخرين لدفعهم إلى ارتكاب أفعال أدت إلى الوفاة.
وفي هذه القضية، استندت المحكمة إلى الوقائع التي عرضتها النيابة بشأن انتقال الأتباع إلى الموقع النائي، والتعليمات المتعلقة بالصيام، والظروف التي أدت إلى وفاة الضحايا. كما بحثت أدوار المتهمين الآخرين الذين اتهموا بتنفيذ التعليمات أو تسهيل استمرار الجماعة في نشاطها.
ويظهر ذلك أهمية التمييز بين حرية الاعتقاد الديني، وهي حق أساسي تحميه القوانين، وبين الأفعال التي تشكل جرائم جنائية، مثل القتل أو الإكراه أو تعريض الأطفال للخطر. فلا تمنح المعتقدات الدينية أي شخص حصانة من المساءلة عندما تؤدي أفعاله إلى انتهاك القانون أو الاعتداء على حياة الآخرين.
لماذا شمل الحكم 190 طفلًا؟
وجود هذا العدد الكبير من الأطفال بين الضحايا منح القضية بعدًا قانونيًا وإنسانيًا بالغ الخطورة. فالأطفال لا يملكون عادة القدرة نفسها التي يتمتع بها البالغون على اتخاذ قرارات مستقلة بشأن الغذاء والعلاج ومكان الإقامة، كما تقع على عاتق البالغين مسؤولية خاصة في حمايتهم من الإهمال والاستغلال.
وتثير القضية أسئلة مهمة حول مسؤولية أولياء الأمور والقائمين على رعاية الأطفال، وحدود تدخل السلطات عندما تظهر مؤشرات على تعرض القصر لخطر جسيم داخل جماعات مغلقة.
كما تبرز أهمية الرقابة على المؤسسات والجماعات التي تقدم نفسها باعتبارها كيانات دينية أو اجتماعية، دون أن يعني ذلك تقييد حرية ممارسة الشعائر أو فرض رقابة عامة على المعتقدات. فالمعيار القانوني يجب أن يرتبط بالأفعال والأضرار المثبتة، لا بمجرد اختلاف المعتقدات.
هل انتهت القضية بصدور الحكم؟
يمثل الحكم خطوة قضائية مهمة في محاسبة المتهمين، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء جميع المسارات القانونية المرتبطة بالقضية. فقد تظل هناك إجراءات متعلقة بالطعون وفق القواعد الكينية، كما أن التحقيقات في الوفيات الأخرى التي كُشفت خلال عمليات البحث قد تكون لها مسارات منفصلة بحسب الأدلة والاتهامات.
ومن المهم كذلك التمييز بين الأحكام الصادرة بحق المتهمين في قضية قتل 191 شخصًا وبين أي اتهامات أخرى قد ترتبط بجرائم مختلفة أو ضحايا لم تشملهم هذه المحاكمة.
خاتمة
يمثل الحكم بالسجن 200 عام على بول ماكنزي محطة بارزة في قضية شاكاهولا، ويؤكد أن استغلال النفوذ الديني لتوجيه الأفراد إلى أفعال تعرض حياتهم وحياة أطفالهم للخطر يمكن أن يؤدي إلى مساءلة جنائية مشددة. كما يضع القرار مسؤولية حماية الفئات الأكثر ضعفًا في صدارة النقاش حول دور السلطات في منع الجرائم داخل الجماعات المغلقة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر في إطار القانون.



