تأتي الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في وقت يتزايد فيه الحديث عن مستقبل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، بعدما كشفت المواجهة حدود القوة العسكرية وعمّقت الشكوك بشأن الضمانات الأمنية التي اعتمدت عليها واشنطن لعقود، فضلا عما كشفته تفاصيل الحرب عن الأضرار التي طالت القواعد والمنشآت، واضطراب حركة الملاحة، وارتباك أسواق الطاقة.

نهاية النظام

وبحسب مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، انتهى دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بعدما أصبحت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران واحدة من أبرز ضحايا النظام الإقليمي الذي ساد منذ عام 1991، وأثبت الفشل الأمريكي والإسرائيلي في إزاحة النظام الإيراني محدودية عقود العقوبات والعنف.

كما أدى عجز الولايات المتحدة عن حماية حلفائها الخليجيين من الهجمات الإيرانية، أو الحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز، إلى تقويض الاتفاق الأمني الذي استندت إليه شبكة القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة.

وكان الهدف الأمريكي على مدى ثلاثة عقود ونصف العقد هو جمع حلفاء متباينين داخل نظام يقوم على حماية إسرائيل، واحتواء إيران والعراق أولًا، ثم إيران وحلفائها من غير الدول لاحقًا، لكن جاءت حرب ترامب لتدفع هذه الإستراتيجية إلى نهايتها المنطقية، عبر محاولة إزالة التهديد الإيراني بالقوة دفعة واحدة.

حسابات الحرب

ترى “فورين أفيرز” أن مهندسي الحرب بالغوا في تقدير ما يمكن أن تحققه القوة العسكرية، وقللوا من قدرة الخصوم على التكيف، وافترضوا التزام الحلفاء بمواقفهم، وتجاهلوا أرواح المدنيين، وشبّهت ذلك بما حدث قبل غزو العراق في عام 2003، وبالحروب الإسرائيلية ضد حزب الله وحماس.

وبذلك، لم تكن مغامرة واشنطن انحرافًا عن إستراتيجيتها الشرق أوسطية، وإنما التعبير الأوضح عن خلل متأصل فيها، فالحرب التي هدفت إلى إزالة التهديد الإيراني دفعة واحدة لم تحقق النتيجة التي بُنيت عليها، وفتحت في المقابل الباب أمام مراجعة واسعة للنظام الإقليمي.

ما بعد السويس

تستحضر الأزمة الحالية أزمة السويس عام 1956، التي تُذكر بوصفها اللحظة الأخيرة للقوة الإمبريالية البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط، لكن الوصول إلى تلك النهاية استغرق سنوات، ولم تختفِ الهيمنة البريطانية والفرنسية فجأة، وبالمثل لن تختفي الهيمنة الأمريكية دفعة واحدة.

واعتبرت “فورين أفيرز” أن الحرب الإيرانية والحرب الإسرائيلية على غزة غيَّرت حسابات حلفاء واشنطن وخصومها، ولا ترى أن جولة جديدة من القتال أو انتخاب رئيس أمريكي آخر قادرة على إصلاح الشرخ الذي حدث.

وتنذر السنوات المقبلة بمزيد من الخلافات، إذ تملك إسرائيل وإيران مصالح تدفعهما إلى إبقاء المنطقة في حالة من الفوضى والعنف، بينما تملك الولايات المتحدة وسائل محدودة لكبح أي منهما.

وبافتراض عدم انهيار النظام الإيراني قريبًا، وهو أمر تستبعده “فورين أفيرز” بدرجة كبيرة، ستسعى طهران إلى محاولة جر واشنطن إلى صراعات “المنطقة الرمادية” التي لا نهاية واضحة لها، وهي بيئة لطالما استفادت منها إيران.

في العراق، فرضت الولايات المتحدة اثنتي عشرة سنة من العقوبات والقصف المتقطع ومحاولات تغيير النظام ومكافحة الانتشار النووي، ثم جاء غزو 2003 واحتلاله الكارثي، وتحت القيادة الأمريكية دمرت حروب أخرى لبنان وليبيا والسودان وسوريا واليمن، بتكلفة بشرية باهظة.

تصدعات مبكرة

عززت هجمات وكلاء إيران الاعتقاد بأن التفوق العسكري الأمريكي واضح بما يكفي لمنع طهران من تحديه مباشرة، لكن هذا التصور بدأ يتزعزع عام 2019 عندما لم ترد الولايات المتحدة على هجوم استهدف مصافي نفط سعودية ونُسِب إلى إيران.

وتكرر الأمر عام 2022 عندما ضربت غارات طائرات مُسيَّرة تابعة للحوثيين الإمارات العربية المتحدة، وبقي النظام الأمني الإقليمي قائمًا، لكن تصدعات بدأت تظهر داخله.

في الوقت نفسه، سعت الولايات المتحدة إلى ترسيخ النظام عبر تعاون عسكري وسياسي مفتوح بين حلفائها العرب وإسرائيل، وكان تشكيل تحالف مناهض لإيران بقيادة أمريكية هدفًا للحكومات الأمريكية منذ عام 1991.

ضربة مزدوجة

اهتز النظام الإقليمي الأمريكي سابقًا خلال غزو العراق عام 2003 والانتفاضات الشعبية عام 2011، لكنه كان يعيد تشكيل نفسه باستمرار، وظل صانعو السياسة الأمريكيون محاصرين داخل الهيكل الذي صنعوه، كما كانت القوى الإقليمية المرتبطة به.

وتولى كل رئيس منذ بيل كلينتون منصبه متعهدًا بتقليص التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط، ثم وجد نفسه منجذبًا إلى السياسات والحروب نفسها.

لكن تدمير إسرائيل غزة والحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وجهتا ضربة قاضية للشرق الأوسط الأمريكي، فقد قضى الدعم الأمريكي للعدوان الإسرائيلي على غزة، خصوصًا خلال رئاسة جو بايدن، على ما تبقى من سلطة معنوية لواشنطن، بينما حطمت هزيمة ترامب في إيران وهم الهيمنة العسكرية المطلقة.

الحرب الإيرانية

إذا كانت حرب غزة قد وضعت مستقبل القيادة الإقليمية الأمريكية موضع شك، فإن الحرب مع إيران أكدت نهاية النظام، وفق “فورين أفيرز”.

غضب قادة الخليج من بدء الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب دون استشارتهم، رغم علمهما بمعارضتهم لها، وفي وقت كانت تجري فيه مفاوضات مع إيران بوساطة عُمانية.

وأدت حرب لم يكن لهم رأي فيها إلى تعريضهم لرد إيراني مباشر، وحمت أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية الخليج من أسوأ وابل الصواريخ، لكن عددًا كافيًا من الضربات اخترقها وألحق أضرارًا جسيمة.

وخلال أسابيع، تمكنت إيران من إلحاق الضرر بأجزاء كبيرة من مجموعة القواعد العسكرية التي دعمت الهيمنة الأمريكية، أو تدميرها، أو جعلها عديمة الجدوى، وتآكلت ثقة حلفاء الخليج بواشنطن أكثر بعد فشل الحملة الأمريكية الإسرائيلية في إزاحة النظام الإيراني.

مضيق هرمز

فشلت الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم قوتهما العسكرية، في تحقيق ذلك الهدف، وفي الوقت نفسه وقفت الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي بينما أغلقت إيران مضيق هرمز، ما عرّض اقتصاد الخليج بأكمله للخطر.

وصُدم قادة الخليج من انكشاف عجز واشنطن، ثم تحول غضبهم إلى صدمة أكبر عندما قصفت الولايات المتحدة منشآت تخزين المياه الإيرانية، وقصفت إسرائيل مستودعات النفط الإيرانية.

خلصت دول الخليج إلى أن الضمانات الأمنية الأمريكية لم تعد موثوقة، وكانت المنطقة قد أدركت عام 2011 أن واشنطن عاجزة عن حمايتها من التهديدات الداخلية.

سنوات التحول

يستغرق فهم الأحداث الكبرى وقتًا، ولذلك ستحتاج الآثار الكاملة للكارثة الأمريكية في إيران إلى سنوات حتى تتضح، وعلى المدى القريب لن يختفي النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

وكان النظام الأمريكي في الشرق الأوسط يتدهور بدوره لسنوات، مع تراكم الإخفاقات السياسية وفقدان الهدف المشترك والعجز العسكري الذي كشفت عنه الأزمات الأخيرة.

قد تبدو هذه النتيجة مقبولة لصناع السياسة الأمريكيين المعتادين على إدارة الصراعات والحفاظ على العلاقات مع جهات فاعلة سيئة، لكن واشنطن لن تتمكن من منع نشوء نظام إقليمي جديد بمجرد التصرف وكأن شيئًا لم يتغير.

إدماج إيران

كشفت الحرب زيف الدعوات المتشددة إلى الحرب والوعود باتخاذ إجراءات حاسمة، ولذلك ينبغي لواشنطن الالتزام بعملية دبلوماسية تدمج إيران في منظومة الأمن الإقليمي كشريك فاعل.

وطرحت إدارة أوباما رؤية مماثلة خلال مفاوضاتها بشأن الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، كما تحدث نائب الرئيس جيه دي فانس عن استعداده “لإحداث تحول جذري” في علاقة الولايات المتحدة مع إيران بعد اتفاق جديد.

قد تكون هذه الفرصة الأخيرة أمام القادة الأمريكيين لتغيير المسار، وإذا فشلوا في ذلك فسوف يشهدون تلاشي الشرق الأوسط الأمريكي كما تلاشت الإمبراطوريات الأوروبية التي سبقته.