بدأت القصة في شرق السودان بملاحظة بسيطة عن شظية فخار عالقة تحت التراب، لكنها أدت إلى اكتشاف أثري مفاجئ في منطقة المريبيعة التابعة لمحلية الفشقة بولاية القضارف. لم يكن فريق العمل ينوي التنقيب في المقابر، بل كان الهدف تدريب طلاب الآثار بجامعة القضارف بالتعاون مع إدارة الآثار بالولاية على المهارات الميدانية. غير أن أحد الطلاب لاحظ قطعة فخار ظاهرة وحاول رفعها، فاكتشف أنها ثابتة، وبعد إزالة التراب ظهرت ملامح جرة مدفونة، مما دفع المشرفين إلى إيقاف النبش وتحديد الموقع باستخدام نظام تحديد المواقع العالمي GPS.
من اكتشاف جرة إلى كنز أثري مدفون
بعد العودة في اليوم التالي، نفذ الفريق حفرية إنقاذ محدودة، حيث ظهرت جرة في الطبقة الأولى، وأخرى امتدت إلى الطبقة الأدنى، وثالثة ظهرت بعد إزالة طبقة إضافية. توقف الحفر عند عمق 20 سنتيمتراً خشية إتلاف آثار أخرى تتجاوز إمكانيات الفريق. كما عُثر على بقايا هيكل عظمي لطفل، حيث يتجه عظم الفخذ نحو الأضلاع، مما يرجح دفنه في وضعية القرفصاء. وتؤكد الدكتورة حنان الشيخ هجو أن هذه الملاحظة تفتح نافذة على طقوس الدفن القديمة، لكنها تحتاج إلى دراسات معمقة لحسم التفاصيل النهائية.
تشير القرائن الأولية إلى أن المكتشفات تعود للعصر الحجري الحديث، ضمن فترة تقدر بين 5000 و3000 قبل الميلاد، لكن هذا التاريخ لا يزال مبدئياً ويحتاج إلى فحص البقايا العظمية ومقارنة الفخار بنماذج معروفة. وكشف المسح عن تلال دفن في ثلاثة مواقع، مما يعني أن الاكتشاف قد يكون جزءاً من نطاق أثري أوسع. وعلى الرغم من أن بعثة أجنبية أجرت مسحاً للمنطقة عام 2010، لم تكتمل الحفريات في هذا الموقع تحديداً. وتعتبر ولاية القضارف من المناطق الغنية بالمواقع الأثرية غير المستكشفة بالكامل، حيث يمثل هذا الاكتشاف نقطة انطلاق لبرنامج بحثي منظم يحدد الأولويات.
توضح الباحثة أن الحفرية الأخيرة كانت إنقاذية وليست تنقيباً متكاملاً، بسبب نقص الإمكانات والمعدات اللازمة للتنقيب الأعمق. ويظل عدد المدفونين وطبيعة العلاقة بين الجرار والبقايا العظمية غامضين حتى يتم استكمال العمل العلمي. وتؤكد أن ما حدث يبرز الحاجة إلى موارد وخبرات كافية للتعامل مع هذه المواقع وفق المعايير العلمية المتبعة. وتبقى الأسئلة المطروحة حول تاريخ الاستيطان البشري في شرق السودان تحتاج إلى إجابات أكاديمية دقيقة، حيث أن شظية الفخار كانت مجرد البداية للكشف عن صفحات مجهولة من تاريخ المنطقة التي لم تجد طريقها إلى الضوء بعد، وتنتظر الحفريات القادمة لتحويل الاحتمالات إلى حقائق مؤكدة.



