في معركة إسكات الخصوم.. ترامب يضيّق الخناق على الإعلام الأمريكي

post-title
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – صورة تعبيرية

 

بعد مرور ما يقرب من 20 شهرًا على ولاية ترامب الثانية، تحولت اشتباكاته الإعلامية الطويلة الأمد إلى حملة شاملة للسيطرة على حرية التعبير في أمريكا، التي تتميز بتطبيقها للعديد من الأدوات، وبسرعة كبيرة، وفي وقت واحد.

فقد أرسلت وزارة العدل (DOJ) عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) إلى منازل الصحفيين لتسليمهم أوامر استدعاء. كما فصل البنتاجون رئيس تحرير وناشر صحيفته المستقلة تقليديًا “ستارز آند سترايبس”، ومنع وصول صحفيين آخرين رفضوا التوقيع على تعهدات تحد من نطاق تغطيتهم الصحفية.

كذلك تستخدم الهيئات التنظيمية صلاحياتها للضغط على المؤسسات الإعلامية بشأن محتواها. وسحبت الإدارة التمويل من التلفزيون والإذاعة العامة.

وغضبًا من الأخبار التي لا تروق له، رفع الرئيس ترامب دعاوى قضائية ضد مؤسسات إخبارية كبرى، وسيطر البيت الأبيض على شبكة الصحافة -المستقلة سابقًا- التي كانت تتابع أخبار الرئيس، ويحدد الجهات الإعلامية التي يُسمح لها بالمشاركة.

وتشير صحيفة “نيويورك تايمز” إلى أنه “انطلاقًا من ضغينة شخصية، وغضب من التسريبات، وعزم على تشكيل السرد السياسي لصالحه، يستخدم ترامب قوة الحكومة الفيدرالية ويرفع دعاوى قضائية شخصية. مستهدفًا ليس فقط الصحفيين والنقاد الليبراليين، ولكن أيضًا الكوميديين ومقدمي البرامج الحوارية، والكيانات المؤسسية التي تقف وراءهم”.

وبينما يقول المدافعون عن حرية التعبير إن نية الرئيس واضحة “معاقبة المعارضين وتخويفهم وإسكاتهم”، لكن بالنسبة للرئيس وحلفائه، فهو ببساطة يطالب بالمساءلة عما يصفه بأنه تغطية وانتقادات “متحيزة” و”غير عادلة” و”غير دقيقة” في بعض الأحيان.

تسخير الحكومة

سنويًا، تُصدر منظمة “مراسلون بلا حدود” مؤشرًا يرصد حرية الصحافة في 180 دولة، ويرصد التهديدات الحكومية، وأوامر الاستدعاء، والاستخدام التعسفي للقوانين ضد الصحفيين.

حاليًا، تحتل الولايات المتحدة أدنى مرتبة لها منذ أن بدأت المنظمة في إصدار المؤشر عام 2002، حيث تأتي في المرتبة 64، متقدمةً على بنما ومتأخرةً عن بوتسوانا. ويتكرر هذا الاتجاه في مؤشرات مماثلة تصدرها مؤسسة حرية الصحافة ومعهد V-Dem السويدي.

وفي الواقع، هناك تاريخ طويل من اتخاذ رؤساء الولايات المتحدة خطوات لتقييد حرية التعبير. إذ فرض الرئيس ويلسون رقابة صارمة وأجبر الناشرين المعارضين على إغلاق أعمالهم خلال الحرب العالمية الأولى. كما احتفظ ريتشارد نيكسون بقائمة أعداء، وهدد مساعدوه باتخاذ إجراءات من قبل لجنة الاتصالات الفيدرالية ضد محطات البث.

وفي القرن الحالي، وسّع البيت الأبيض في عهد جورج بوش الابن نطاق السرية الحكومية، بينما استهدفت إدارة أوباما مصادر الصحفيين من خلال تحقيقات في تسريبات المعلومات.

وانتقد ترامب إدارة بايدن لما وصفه هو ومؤيدوه بأنه ضغط قاسٍ على شركات التواصل الاجتماعي لفرض رقابة على المحتوى غير المرغوب فيه غالباً على حسابهم، ووعد في حفل تنصيبه الثاني بـ”وقف جميع أشكال الرقابة الحكومية”.

قبل توليه منصبه بفترة طويلة، كان ترامب معروفًا بنزاعاته الإعلامية. وبصفته مطورًا عقاريًا ونجمًا لبرامج تلفزيون الواقع، كان سريعًا في التهديد برفع دعاوى تشهير ضد كل من شكك في مزاعمه بشأن نجاحاته التجارية وثروته.

بالنسبة للصحفيين، كان ترامب صريحًا بشأن هدفه: إلحاق الأذى، حتى لو كان عابرًا. فبعد أن رفع دعوى تشهير فاشلة ضد الصحفي السابق في صحيفة “نيويورك تايمز” تيموثي أوبراين، الذي قدّر في كتابه “أمة ترامب” ثروة الرئيس بأقل بكثير مما ادّعى، تباهى ترامب بإجبار الناشر على دفع المال.

وقال: “فعلت ذلك لأجعل حياته بائسة، وهذا ما يسعدني”.

السيطرة الكاملة

في ولايته الأولى، وصف الرئيس الأمريكي الصحفيين بأنهم “أخبار كاذبة” وهاجم المراسلين بشكل فظ، وخاصة النساء.

وتشير الصحيفة إلى أنه “في ولايته الثانية، يُرسّخ ترامب نهجه العدائي في جميع أجهزة الحكومة الفيدرالية. أولئك الذين كان من الممكن أن يكبحوا جماحه قد استُبدلوا بموالين له، غالباً ما يستخدمون سلطتهم لتحقيق رغبة ترامب في معاقبة خصومه المزعومين”.

بعد فترة وجيزة من تنصيبه، حظر البيت الأبيض وكالة “أسوشيتد برس” من المكتب البيضاوي وطائرة الرئاسة، ظاهريًا لأن الوكالة رفضت تسمية “خليج المكسيك” بالاسم الذي يفضله ترامب، وهو “خليج أمريكا”. وثمة سبب آخر هو رفض الوكالة منح فريق ترامب حقوق استخدام صورته، وهو ملطخ بالدماء وقبضته مرفوعة، بعد تعرضه لإطلاق نار في بنسلفانيا عام 2024.

وبلغت جهود الحكومة الأمريكية لاستدعاء الصحفيين وتخويفهم من خلال التهديدات أعلى مستوياتها منذ أن بدأت المؤسسة بتتبع الحوادث في عام 2017.لكن مع هذا، لم تتحمل أي شبكة تلفزيونية وطأة غضب الرئيس بقدر ما تحملته شبكةABC المملوكة لشركة ديزني.

ازدادت ضغينة ترامب تجاه شبكة ABC في عام 2024، عندما رفع دعوى قضائية ضد المذيع جورج ستيفانوبولوس بسبب وصفه للحكم في قضية التشهير التي رفعتها جين كارول، التي اتهمت ترامب بالتحرش الجنسي. وقد سوّت الشبكة الدعوى مقابل 15 مليون دولار.

كما ازداد غضبه بعد أن جعله جيمي كيميل، مقدم البرامج الكوميدية على قناة ABC هدفًا دائمًا للنكات. وفي أبريل الماضي، وبعد أن طالب ترامب والسيدة الأولى بفصل كيميل بسبب مزحة أطلقها حول كونها “أرملة حامل”، بدأت لجنة الاتصالات الفيدرالية مراجعة مبكرة للتراخيص الفيدرالية التي تحتاجها محطات الشبكة للعمل، وذلك قبل سنوات من موعد انتهاء صلاحيتها.

وفي العام الماضي، فتحت لجنة الاتصالات الفيدرالية تحقيقًا في سياسات التوظيف المتعلقة بالتنوع والشمول في الشبكة، وأعادت إحياء شكوى جماعة محافظة بشأن المناظرة الرئاسية لعام 2024.

وفي مطلع هذا العام، سعت الوكالة إلى إلزام برنامجها الحواري ” ذا فيو ” باتباع ما يسمى بـ”قواعد تكافؤ الوقت للمرشحين السياسيين”، على الرغم من أن لجنة الاتصالات الفيدرالية وافقت سابقًا على أن البرنامج مؤهل للحصول على إعفاء.