
هددت الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا على الموانئ والسفن في البحر الأسود بإحداث اضطرابات جديدة في إمدادات الحبوب العالمية، بعدما أدت الضربات إلى تعطيل صادرات البلدين، وهما من أكبر مصدري الحبوب في العالم، بينما واجه مزارعون أوكرانيون خطر خسائر كبيرة بسبب صعوبة تخزين وبيع محاصيلهم.
وأظهرت التطورات أن استمرار الهجمات على طرق الشحن في البحر الأسود أعاد الضغط على القطاع الزراعي الأوكراني، في وقت حذر فيه خبراء من احتمال حدوث صدمة غذائية عالمية جديدة، بحسب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، التي زارت مزارعين في منطقة ميكولايف جنوبي أوكرانيا.
صادرات متعثرة
أجبرت الهجمات الروسية الموانئ الأوكرانية المتبقية على العمل في ظروف شديدة الصعوبة، بعدما أصبحت طرق الشحن في البحر الأسود أكثر خطورة، ما دفع المشترين إلى الإحجام عن شراء المحاصيل، وأدى إلى تراجع أسعار الحبوب.
وأفادت بيانات وزارة الزراعة الأوكرانية بأن البلاد صدرت نحو 500 ألف طن متري فقط من الحبوب خلال الفترة بين الأول والثامن عشر من أغسطس، بما يعادل نحو 20% من المستويات المعتادة عندما تعمل الموانئ بكامل طاقتها.
وسجلت صادرات روسيا من الحبوب نحو 1.4 مليون طن متري بين الأول والعشرين من أغسطس، بأقل من نصف الكمية المسجلة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وبأدنى مستوى خلال عشر سنوات، وفقًا لبيانات اتحاد الحبوب الروسي.
ووسعت أوكرانيا، في المقابل، نطاق هجماتها ليشمل منشآت موانئ في جنوب روسيا، كما استهدفت ما لا يقل عن خمس ناقلات روسية كانت تنقل الحبوب خلال أغسطس، وفقًا لمجلة لويدز ليست المتخصصة في الشؤون البحرية، ما أسهم في خفض صادرات البلدين.
مزارعون مهددون
واجه المزارعون الأوكرانيون تداعيات مباشرة نتيجة تعطُّل الصادرات، إذ امتلأت المخازن بالحبوب في المناطق الزراعية الرئيسية، بينما اضطر بعض المنتجين إلى تخزين المحاصيل في العراء تحت أغطية بلاستيكية، خشية بيعها بأسعار تقل عن تكلفة الإنتاج.
وقال فيكتور زفيريشين، وهو مزارع يبلغ 57 عامًا من منطقة ميكولايف، إنه لا يعرف كيف سيتمكن من الاستمرار، بعدما تراجعت الأسعار وأصبحت قدرات التخزين محدودة، مشيرًا إلى أنه لم يعد يملك المال الكافي لشراء الوقود اللازم لإعداد الأرض للموسم الزراعي الجديد
وأعادت الحرب الأوكرانية تكرار أزمة مشابهة شهدها العالم في عام 2022، عندما أدت الحرب إلى تعطيل صادرات الحبوب عبر البحر الأسود، قبل أن تسمح صفقة توسطت فيها تركيا والأمم المتحدة باستئناف حركة التصدير لفترة، ما ساعد المزارعين على استعادة جزء من نشاطهم.
طرق بديلة
سعت أوكرانيا إلى تعويض تراجع حركة الموانئ البحرية عبر استخدام الطرق البرية والسكك الحديدية ومحطات الشحن على نهر الدانوب، إلا أن هذه البدائل واجهت قيودًا متزايدة، خاصة بعدما تعرضت أجزاء من شبكات النقل لهجمات روسية.
وتزامنت هذه الضغوط مع تراجع قدرة نهر الدانوب على استيعاب كميات كبيرة من الحبوب بسبب الجفاف، بينما لا تستطيع موانئه التعامل مع أحجام الشحن التي كانت تمر عبر البحر الأسود، ما جعل إيجاد مسارات بديلة للتصدير أكثر صعوبة.
وحذرت فيكي أيكن، مديرة منظمة ميرسي كوربس في أوكرانيا، من أن المزارعين قد يخسرون محاصيلهم إذا لم يتمكنوا من تصديرها أو تخزينها، داعية إلى التوصل إلى اتفاق جديد يضمن توفير طريق آمن لوصول الحبوب الأوكرانية إلى الأسواق.
وأوضحت أن المزارعين خاطروا بحياتهم للوصول إلى موسم الحصاد، معتبرة أن بقاء محاصيلهم عالقة بسبب إغلاق طرق التصدير قد يؤدي إلى انهيار مصادر رزقهم.
أزمة غذائية
استمرت الهجمات الروسية في استهداف المحاصيل والمعدات والمباني الزراعية في المناطق القريبة من خطوط المواجهة، ما زاد من الأعباء التي يتحملها المزارعون إلى جانب أزمة تصدير الحبوب.
وأُصيب المزارع رومان برادون، البالغ 35 عامًا، في ساقه بشظايا طائرة مسيرة خلال هجوم روسي، بعدما خرج من منزله خشية اشتعال النيران في محاصيله أو مخزن الحبوب، بينما أصبح والده يعيش في مدينة ميكولايف بعدما تعذَّر عليه إعادة بناء منزله في القرية.
وأبقى المزارعون على تمسكهم بالعمل رغم الخسائر، في وقت باتت فيه الحرب تهدد ليس فقط الإنتاج الزراعي الأوكراني، وإنما قدرة أحد أهم مصدري الحبوب في العالم على الوصول إلى الأسواق الدولية.
وأعاد تراجع صادرات روسيا وأوكرانيا، إلى جانب استهداف الموانئ والسفن ومسارات النقل البديلة، المخاوف من اضطراب إمدادات الحبوب وارتفاع أسعار الغذاء عالميًا، خصوصًا إذا استمرت الهجمات ولم يتم التوصل إلى ترتيبات تضمن أمن الملاحة والتجارة في البحر الأسود.
