منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، أكتوبر 2023، لم يعد العمل الصحفي داخل القطاع مجرد نقل للأحداث وتوثيق للوقائع، بل تحول إلى مهمة محفوفة بالموت، يعيش خلالها الصحفيون الفلسطينيون تفاصيل الحرب نفسها التي ينقلونها إلى العالم.

ومع استمرار منع دخول الصحفيين ووسائل الإعلام الدولية إلى قطاع غزة، أصبح الصحفيون الموجودون في القطاع المصدر الرئيسي للصور والمعلومات والشهادات القادمة من الميدان، ليتحولوا بذلك إلى شهود عيان على واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ الحديث.

وبحسب أرقام أعلنها الاتحاد الدولي للصحفيين، استشهد 267 صحفيًا داخل قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 وحتى الآن، ليصبح هذا العدد أكبر من عدد القتلى من الإعلاميين في الحرب العالمية الأولى والثانية وأفغانستان وفيتنام مجتمعين.

وفي شهادات خاصة لـ”القاهرة الإخبارية”، روى عدد من الصحفيين الفلسطينيين تفاصيل تجربتهم خلال الحرب، وكيف أصبح الوصول إلى موقع الحدث مخاطرة قد تعني عدم العودة، فيما تحولت الكاميرا والميكروفون والقلم إلى أدوات لمواجهة محاولات طمس ما يجري على الأرض.

 

أبو كويك: لا عودة ولا تراجع

من جانبه، روى يوسف أبو كويك، مراسل “القاهرة الإخبارية” في قطاع غزة، جانبًا من تجربته خلال سنوات الحرب، مؤكدًا أن الصحفيين في الميدان اتفقوا منذ البداية على مواصلة عملهم مهما كانت المخاطر.

وأشار “أبو كويك” إلى أنه اضطر في أوقات كثيرة إلى الابتعاد عن أطفاله لفترات طويلة، من أجل تغطية وتوثيق ما يجري في القطاع، دون أن يعرف ما إذا كان سيتمكن من العودة إليهم مرة أخرى.

وأكد أن استهداف الصحفيين والإعلاميين كان -من وجهة نظره- جزءًا واضحًا من المشهد، مشيرًا إلى أن الصحفيين الذين استُهدفوا كانوا يحملون الميكروفونات والكاميرات والأقلام، ولم يكونوا يحملون أسلحة.

وقال إن هدف الصحفيين كان نقل الصورة إلى العالم كما هي، وتوثيق ما يحدث، إلا أن ذلك وضعهم في دائرة الخطر.

وأضاف أبو كويك أن الصحفيين في غزة كانوا يواجهون لحظات شديدة القسوة عند فقدان زملائهم، خصوصًا أن العلاقة بينهم لم تكن علاقة عمل فقط، وإنما صداقة ومشاركة يومية في أصعب الظروف.

وأوضح أنهم كانوا يرثون أصدقاءهم بالكلمات والدموع، ثم يعودون إلى الميدان، لأنهم كانوا يدركون أن توقف الكاميرات عن العمل يعني غياب جزء من الحقيقة التي يحاولون نقلها.

وتابع أن إجراءات السلامة التقليدية المستخدمة في تغطية النزاعات المسلحة لم تكن كافية في غزة، فالخوذة والسترة الواقية لا يمكنهما حماية الصحفي من صاروخ.

وأشار إلى أن الصحفيين كانوا يتجنبون قدر الإمكان المناطق التي يتمركز فيها جنود الاحتلال، لكن الخطر، بحسب شهادته، كان يصل إليهم في أماكن تمركزهم.

ولفت “أبو كويك” إلى أن أزمة المعدات الصحفية لم تبدأ مع السابع من أكتوبر، مؤكدًا أن القيود الإسرائيلية على دخول المعدات الحديثة إلى القطاع استمرت لعقود.

وأوضح أن الصحفيين اضطروا إلى استخدام معدات قديمة ومتهالكة، فيما تعرضت سيارات البث ومعدات العمل للاستهداف، ما زاد من صعوبة نقل الصورة من الميدان.

جبر: نستجمع قوانا لننعى أصدقاءنا

بدوره، أكد بشير جبر، مراسل “القاهرة الإخبارية” في قطاع غزة، أن استهداف الصحفيين الفلسطينيين لم يبدأ مع الحرب الحالية، مشيرًا إلى أن الصحفيين تعرضوا للاستهداف خلال أحداث سابقة، من بينها مسيرات العودة عام 2018.

وأوضح أن الحرب الحالية فرضت على الصحفيين معاناة إضافية، بدءًا من النزوح المتكرر رفقة عائلاتهم، مرورًا بانقطاع الاتصالات وصعوبة نقل المعلومات والصور، وصولًا إلى نقص الغذاء والماء وفقدان الوزن نتيجة الظروف القاسية التي عاشها الجميع.

ورغم ذلك، أكد جبر أن هذه الظروف لم تمنعه وزملاءه من مواصلة العمل، معتبرًا أن التغطية الصحفية أصبحت واحدة من أهم المهام التي يجب القيام بها مهما كانت التكلفة.

وقال جبر إن من أصعب اللحظات التي عاشها خلال الحرب كانت الوقوف أمام الكاميرا لنعي صحفي أو صديق كان قبل لحظات فقط يشاركه تفاصيل الحياة والعمل.

وأوضح أنه اضطر في مرات عديدة إلى استجماع قوته الجسدية والعقلية والنفسية حتى يتمكن من الظهور على الهواء ونعي زملائه الذين سار معهم في طريق واحد.

كما تحدث عن مشاهد رأى خلالها قوات الاحتلال تستهدف الصحفيين في أثناء توجههم إلى مواقع القصف لتغطية نتائجه، مؤكدًا أن الصحفيين كانوا يحملون أدوات عملهم ويحاولون نقل ما يحدث، بينما كانوا يواجهون خطر الاستهداف.

وقال جبر إن تغطية قصف المنازل أصبحت مهمة لا تتم إلا “بتيسير من الله”، مؤكدًا أن الصحفيين يحملون أرواحهم على أكفهم كل يوم في أثناء توجههم إلى مواقع الأحداث.

وأضاف أن الصحفيين جزء من النسيج نفسه الذي يعانيه الشعب الفلسطيني، فهم يتعرضون للقصف والجوع والعطش، وفي الوقت نفسه يقومون بتصوير الجثث والأشلاء وتوثيق آثار القصف والدمار.

صحفيات غزة.. معاناة مضاعفة

ولم تكن الصحفيات الفلسطينيات بمعزل عن هذه الظروف، إذ أكد جبر أن الصحفيات في غزة تحملن جانبًا كبيرًا من أعباء الحرب، وواجهن ظروف النزوح والإقامة بعيدًا عن منازلهن.

وأشار إلى أن بعضهن اضطررن إلى النوم على الأرصفة وفي الطرقات، في ظروف بالغة الصعوبة، فضلًا عن عدم القدرة على توفير الاحتياجات الشخصية الأساسية.

الصباغ: “أرواحنا على كفوفنا”

عمل الصحفي بلال الصباغ، داخل قطاع غزة لمدة 6 أشهر منذ بداية الحرب، قبل إجلائه إلى الخارج، ويصف تجربته بالقول إن العمل الصحفي في غزة يختلف عن أي مكان آخر بالعالم، موضحًا أن الصحفي هناك لا يكتفي بمراقبة الحرب من خلف عدسة الكاميرا، وإنما يعيشها بكل تفاصيلها.

وقال بلال الصباغ في حواره مع “القاهرة الإخبارية”، إن الصحفي في أي مكان قد يتعرض للمضايقات أو المخاطر، لكن الصحفي في غزة “مُعرض لفقد حياته”، مضيفًا أن الأشهر الستة التي قضاها في القطاع كانت كافية ليدرك أن الحرب أصبحت جزءًا من حياة الصحفي اليومية.

وأوضح أن الصحفيين كانوا يرون الدمار في كل مكان، ويشاهدون الموت في الشوارع، والأطفال والنساء وهم يعانون، بينما تمر عليهم أيام وليالٍ دون أن يعرفوا طعم الراحة أو النوم.

الكاميرا وحدها لا تكفي

لم تكن مهمة نقل الصورة من غزة مرتبطة بالكاميرا وحدها، بحسب الصباغ، إذ احتاج الصحفيون إلى منظومة كاملة من الخدمات واللوجستيات التي أصبحت عملية توفيرها شديدة الصعوبة، وعلى رأسها الوقود لتشغيل السيارات، والكهرباء، والإنترنت، بجانب الغذاء والماء والأدوية، لكن الأصعب، وفقًا له، كان غياب الشعور بالأمان.

وأوضح أن الصحفي في الظروف الطبيعية عندما يتلقى خبرًا عن قصف في منطقة ما، يتوجه إلى المكان لتغطية الحدث، بينما في غزة كان عليه أن يطرح أسئلة أكثر قسوة قبل التحرك: “هل الطريق آمن؟ هل القصف مستمر؟ وهل هناك احتمال لوقوع غارة ثانية؟”.

وفي الوقت نفسه، كان هناك ضغط مهني هائل، فالعالم ينتظر الصور والأخبار القادمة من غزة، خصوصًا في ظل منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الصحافة الدولية إلى القطاع، ما وضع الصحفيين الفلسطينيين أمام مسؤولية مضاعفة.

وأكد الصباغ أن ارتداء السترة الواقية والخوذة وحمل الكاميرا، إجراءات يفترض أن تمنح الصحفي قدرًا من الحماية في أثناء تغطية النزاعات، لم تكن كافية أمام ما وصفه بالاستهداف الإسرائيلي للصحفيين.

وقال إن الصحفيين كانوا نازحين مثل بقية الفلسطينيين، ويغطون الجوع والنزوح والفقد والألم، في الوقت الذي كانوا يعيشون فيه الظروف ذاتها، وأضاف: “فقدنا منازلنا وأقاربنا وأصدقاءنا، وفقدنا أشياء كثيرة، ومع ذلك كان علينا الاستمرار في نقل ما يحدث”.

أحلام اليوم التالي للحرب

رغم ضخامة المأساة، تبدو أحلام الصحفيين الفلسطينيين لما بعد الحرب بسيطة للغاية؛ أحلام لا تتجاوز استعادة أبسط تفاصيل الحياة الطبيعية التي حُرموا منها.

ويقول يوسف أبو كويك، إن أول ما يحتاج إليه أهالي غزة بعد انتهاء الحرب هو مساحة للحزن والبكاء، بعدما اضطروا إلى تأجيل مشاعرهم تحت ضغط الأحداث اليومية.

ووصف المرحلة الحالية بأنها “حزن مؤجل ودمع مرحل”، مؤكدًا أن حلمه الأكبر أن يرى أطفاله على مقاعد الدراسة، وأن يمسك أيديهم ويركض معهم في أماكن خضراء، ويضحكوا معًا، وأن يحصل أخيرًا على استراحة من الحرب.

ويضيف أن أكثر ما يريده هو أن يرى الأطفال يضحكون من جديد.

أما بشير جبر، فيختصر حلمه في انتهاء الحرب وعودة الحياة إلى طبيعتها، قائلًا إنه يتمنى أن يستيقظ في صباح يوم جديد دون أصوات طائرات الاستطلاع، وأن يجتمع بزوجته وأطفاله وأسرته بعيدًا عن المعاناة التي عاشوها طوال الحرب.