
أظهرت أحدث بيانات وزارة الخزانة الأمريكية اتساع عجز الموازنة الفيدرالية خلال 2026، في مؤشر على استمرار الضغوط المالية رغم الجهود التي بذلتها إدارة الرئيس دونالد ترامب لخفض الإنفاق الحكومي، وفي مقدمتها مبادرة دارة كفاءة الحكومة (DOGE)، التي انتهى عملها رسميًا في يوليو الماضي.
وبلغ العجز خلال يوليو نحو 432 مليار دولار، بعدما سجلت الحكومة الأمريكية إيرادات قدرها 334 مليار دولار مقابل نفقات بلغت 766 مليارًا، وفق أحدث بيان شهري للخزانة، ليمثل ذلك أعلى عجز يُسجل خلال شهر يوليو على الإطلاق، وأكبر عجز شهري منذ مارس 2021، وفقًا لمجلة “نيوزويك” الأمريكية.
عجز هائل
ارتفع إجمالي عجز الموازنة خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية التي تنتهي في 30 سبتمبر، إلى نحو 1.8 تريليون دولار، مقارنة بنحو 1.6 تريليون دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق.
ويتجاوز الرقم بالفعل إجمالي العجز المسجل خلال السنة المالية الماضية بأكملها، ما أثار مخاوف متزايدة لدى مشرعين وخبراء ماليين يحذرون من تداعيات استمرار الاقتراض الحكومي بوتيرة مرتفعة.
وأوضحت وزارة الخزانة أن يوليو يُعد عادة شهرًا يسجل عجزًا، نظرًا لغياب مواعيد رئيسية لتحصيل الضرائب، كما أدى كون الأول من أغسطس يومًا غير مخصص للعمل إلى تقديم موعد صرف بعض المزايا الحكومية، ما أضاف نحو 99 مليار دولار إلى نفقات يوليو.
مبادرة تحت الانتقاد
أعاد اتساع العجز إحياء الانتقادات الموجهة إلى “DOGE”، المبادرة التي ارتبطت بصورة أساسية بالملياردير إيلون ماسك، وكان هدفها خفض الإنفاق الحكومي والحد من الهدر والاحتيال وسوء الإدارة.
وكان ماسك طرح في البداية هدفًا طموحًا يتمثل في توفير تريليوني دولار على الأقل، قبل خفض التقديرات لاحقًا إلى 150 مليار دولار من التخفيضات في موازنة السنة المالية 2026.
وأُغلقت المبادرة رسميًا في الرابع من يوليو، فيما لا يزال موقعها الإلكتروني يعرض تقديرات تتحدث عن وفورات تبلغ نحو 215 مليار دولار.
في المقابل، شكك مكتب المحاسبة الحكومي الأميركي (GAO) في دقة هذه الأرقام، وقال في تقرير حديث إن ادعاء “DOGE” بتحقيق وفورات بقيمة 110 مليارات دولار من إلغاء عقود ومنح وإيجارات يفتقر إلى أدلة داعمة، وإن منهجية احتساب الوفورات لم تكن شفافة بما يكفي.
وأشار التقرير إلى أن “DOGE” نسبت إلى نفسها إلغاء عقود وإيجارات كانت إجراءات التخلص منها بدأت قبل تأسيس المبادرة بالفعل.
أعباء مالية
وتصدرت برامج الرعاية الاجتماعية وخدمة الدين قائمة أكبر بنود الإنفاق خلال يوليو، إذ بلغت نفقات “ميديكير” نحو 174 مليار دولار، والضمان الاجتماعي 141 مليارًا، فيما دفعت الحكومة 104 مليارات دولار فوائد على الدين العام خلال الشهر وحده.
وتجاوزت مدفوعات فوائد الدين تريليون دولار منذ بداية السنة المالية، ما يعكس ارتفاع تكلفة خدمة الدين الأمريكي في ظل مستويات الاقتراض المرتفعة وأسعار الفائدة.
كما شكلت عمليات رد الرسوم الجمركية عبئًا إضافيًا على الموازنة، إذ بلغت قيمتها أكثر من 33 مليار دولار في يوليو. وتواصل الحكومة رد مبالغ للمستوردين بعد إلغاء الرسوم الطارئة التي فرضتها إدارة ترامب، والتي قدرت المدفوعات المرتبطة بها بنحو 166 مليار دولار.
مسار غير مستدام
حذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار العجز المرتفع قد يزيد الضغوط على سوق سندات الخزانة والاقتصاد الأمريكي والعالمي.
وقال ديسموند لاكمان، المسؤول السابق في صندوق النقد الدولي والباحث في معهد “أميركان إنتربرايز”، إن الولايات المتحدة تسير في مسار مالي غير مستدام، مشيرًا إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل واعتماد الحكومة المتزايد على الاقتراض قصير الأجل.
ويرى لاكمان أن غياب إجراءات جادة لخفض العجز، بالتزامن مع خطط لزيادة الإنفاق الدفاعي، قد يؤدي إلى اتساع العجز من مستواه الحالي الذي يعادل نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتعيد هذه التطورات الجدل بشأن قدرة الإدارة الأمريكية والكونجرس على كبح نمو الدين والعجز، في وقت يقترب فيه الدين الوطني من مستوى 40 تريليون دولار، بينما لم تتمكن جهود خفض الإنفاق حتى الآن من عكس الاتجاه التصاعدي للعجز.
