
تواجه الولايات المتحدة نمطًا جديدًا من التحالف بين أبرز خصومها الصين روسيا وإيران وكوريا الشمالية، والذي يقوم على شبكة مرنة من المصالح المتبادلة وتبادل التكنولوجيا والدعم العسكري والاقتصادي، ووفقًا لتحليل نشرته مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، فإن هذا النموذج قد يكون أكثر قدرة على الصمود وأكثر خطورة من التحالفات التقليدية.
تحالف الخصم الرباعي
إذا كانت التحركات السياسية تعكس حقيقة التوجهات، فإن الأشهر الأخيرة حملت مؤشرات واضحة على تنامي التعاون بين الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، ففي يونيو، أجرى الرئيس الصيني شي جين بينج أول زيارة خارجية له خلال عام 2026 إلى كوريا الشمالية، واتفق مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون على توسيع التعاون بين البلدين دون التطرق إلى ملف نزع السلاح النووي.
وجاءت الزيارة بعد أسابيع من زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين، حيث وقع مع “شي” 20 اتفاقية شملت مجالات التجارة والتكنولوجيا والتعاون الاقتصادي، كما أشارت تقارير إلى أن بكين وموسكو قدمتا دعمًا غير مباشر لإيران خلال حربها مع إسرائيل والولايات المتحدة، شمل صورًا للأقمار الصناعية للقوات الأمريكية، ووقودًا للصواريخ، وطائرات مُسيَّرة متطورة.
ورغم غياب تحالف رسمي يجمع الدول الأربع، فإن مستوى التنسيق بينها يتزايد بصورة تؤثر في موازين القوى وتفرض تحديًا متناميًا على الولايات المتحدة وحلفائها.
تحالف الخصوم
يرى بعض المحللين أن هذه العلاقات لا تزال محدودة، وتفتقر إلى الالتزامات التي تميز التحالفات العسكرية التقليدية، كما خلص تقييم الاستخبارات الأمريكية السنوي للتهديدات لعام 2026 إلى أن العلاقات بين هذه الدول “ثنائية في المقام الأول”، وأن الحديث عن “تحالف الخصوم” قد يبالغ في توصيف مستوى التعاون.
لكن تحليل “فورين أفيرز” يرى أن هذه القراءة تتجاهل طبيعة النموذج الجديد، فالعلاقات الثنائية تمنح الأطراف مرونة أكبر، وتسهل إبرام الاتفاقات بسرعة، وتحد من القيود التي تفرضها التحالفات الرسمية، كما أن التاريخ يُظهر أن كثيرًا من التحالفات السلطوية انهارت بسبب تعقيداتها الداخلية، بينما تبدو الشبكة الحالية أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات.
وبذلك، لا يكمن التحدي أمام واشنطن في ظهور محور رسمي جديد، وإنما في شبكة تعاون عسكري وتكنولوجي وسياسي تحقق نتائج إستراتيجية مشابهة، وربما أكثر تأثيرًا.
الحرب الأوكرانية
يشير التحليل إلى أن التعاون الحقيقي بين هذه الدول بدأ يتبلور بعد الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، عندما وجدت موسكو نفسها بحاجة متزايدة إلى الدعم العسكري في ظل العقوبات الغربية واستنزاف مخزونها من الأسلحة.
في البداية، كان الدعم الكوري الشمالي محدودًا، لكنه تحول خلال عام 2023 إلى أحد أهم مصادر الإمداد العسكري لروسيا، عبر ملايين قذائف المدفعية والصواريخ الباليستية وغيرها من المعدات.
وفي المقابل، حصلت بيونج يانج على دعم روسي لتطوير قدراتها العسكرية، شمل الأقمار الصناعية وأنظمة الدفاع الجوي، إلى جانب توسيع التعاون الاقتصادي.
وتطورت العلاقة أكثر في عام 2024 مع توقيع معاهدة دفاع مشترك، قبل أن ترسل كوريا الشمالية أكثر من 12 ألف جندي للمشاركة في العمليات العسكرية الروسية، في أول انتشار قتالي واسع لقواتها خارج البلاد.
مسيرات إيران
بدورها، أصبحت إيران شريكًا رئيسيًا لروسيا خلال الحرب، بعدما زودتها في البداية بأعداد كبيرة من الطائرات المُسيَّرة الهجومية، وعلى رأسها طائرات “شاهد”، التي استخدمت على نطاق واسع ضد البنية التحتية الأوكرانية.
ثم توسع التعاون ليشمل الصواريخ الباليستية والخبرات الفنية والمدربين، قبل أن ينتقل إلى مرحلة الإنتاج الدفاعي المشترك، من خلال تصنيع طائرات مُسيَّرة إيرانية داخل المنطقة الاقتصادية الخاصة في ألابوجا الروسية.
الصين والحرب الروسية
ورغم أن بكين لم تزود موسكو بأسلحة مباشرة، فإنها لعبت دورًا محوريًا في دعم صناعتها العسكرية، فبحسب مسؤولين أمريكيين، وفرت الصين لروسيا تقنيات مزدوجة الاستخدام، شملت الإلكترونيات الدقيقة، وآلات التصنيع، ومادة النيتروسليلوز المستخدمة في إنتاج الذخيرة، إضافة إلى مكونات بصرية تدخل في تصنيع الدبابات والمركبات المدرعة.
وساعد هذا الدعم موسكو على إعادة بناء قاعدتها الصناعية الدفاعية بوتيرة أسرع، ما جعل الصين تمثل الركيزة الاقتصادية الرئيسية لاستمرار المجهود الحربي الروسي.
كما توسع التعاون العسكري بين البلدين ليشمل زيادة المناورات البحرية المشتركة، ودوريات القاذفات، ورفع مستوى التنسيق العملياتي.
ووفقًا لوكالة رويترز، وقع الجانبان في يوليو 2025 اتفاقًا سريًا لتبادل التدريب على حرب الطائرات المُسيّّرة، تضمن تدريب 200 جندي روسي في الصين، على أن يتلقى مئات الجنود الصينيين تدريبات مماثلة داخل روسيا.
