لم تعد خطورة مراكز علاج الإدمان غير المرخصة تقتصر على مخالفة القوانين والضوابط المنظمة لمزاولة النشاط الطبي، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد مباشر لصحة المرضى وسلامتهم، في ظل انتشار منشآت تمارس نشاطها بعيدًا عن الرقابة الرسمية، وتستقبل حالات تحتاج إلى رعاية طبية ونفسية متخصصة، دون الالتزام بالحد الأدنى من الاشتراطات الصحية والعلاجية. وقد كشفت الحملات التفتيشية المتتالية عن حجم هذه الظاهرة، وما يصاحبها من تجاوزات قد تعرض حياة النزلاء لمخاطر جسيمة.
مراكز علاج الإدمان غير المرخصة.. انتهاكات خلف الأبواب المغلقة
وشهدت الفترة الأخيرة ضبط عدد من مراكز علاج الإدمان والصحة النفسية التي تعمل دون الحصول على التراخيص القانونية اللازمة، حيث أسفرت حملة رقابية بمحافظة الشرقية عن إغلاق 12 مركزًا خاصًا في مدينتي العاشر من رمضان وبلبيس، بعد ثبوت مزاولتها النشاط دون ترخيص، فضلًا عن وجود أوجه قصور جسيمة في الاشتراطات الصحية، وذلك رغم وجود أكثر من 300 مريض داخل تلك المنشآت.
وفي محافظة المنيا، تمكنت الجهات المعنية من ضبط 8 مراكز غير مرخصة لعلاج الإدمان وتأهيل المتعافين بمركز بني مزار، وأسفرت أعمال التفتيش عن رصد مخالفات متعددة، من بينها مزاولة مهنة الطب دون ترخيص، ومخالفة أحكام قانون تنظيم المنشآت الطبية غير الحكومية، وقانون رعاية المريض النفسي، إلى جانب عدم الالتزام باشتراطات مكافحة العدوى والضوابط البيئية.
وامتدت الحملات الرقابية إلى منطقة المقطم بالقاهرة، حيث أعلنت وزارة الصحة في الأول من أكتوبر إغلاق 16 مركزًا غير مرخص لعلاج الإدمان والطب النفسي، بعد اكتشاف مزاولتها النشاط دون الحصول على التراخيص الرسمية، وعدم استيفائها الاشتراطات الصحية والقانونية المقررة.
وأوضحت الوزارة أن أبرز المخالفات التي ترصدها لجان التفتيش تتمثل في غياب المدير الفني المسؤول، وممارسة النشاط دون ترخيص، والقصور في تطبيق إجراءات مكافحة العدوى، وعدم توافر التجهيزات الطبية اللازمة، فضلًا عن عدم انتظام السجلات الطبية، ووجود مخالفات تتعلق بالتعامل مع النفايات الخطرة.
ولا تقتصر خطورة هذه المخالفات على الجانب الإداري أو التنظيمي، وإنما تمتد إلى طبيعة الرعاية المقدمة للمرضى، إذ يتطلب علاج الإدمان منظومة متكاملة تشمل التقييم الطبي والنفسي، والإشراف من متخصصين مؤهلين، ووضع برامج علاجية وتأهيلية مناسبة، مع متابعة الحالة الصحية للمريض بصورة مستمرة. ومن ثم، فإن غياب الرقابة والتجهيزات اللازمة قد يحول المنشأة العلاجية إلى بيئة غير آمنة تهدد حياة النزلاء بدلًا من مساعدتهم على التعافي.
وتتضاعف المخاطر عندما تُدار هذه المنشآت في أماكن مغلقة لا تخضع للإشراف الطبي والرقابي، ولا تكون الأسر على دراية كافية بما يتعرض له ذووها داخلها. وقد تجسد ذلك في واقعة إحدى المصحات غير المرخصة بمنطقة كرداسة، التي شهدت وفاة نزيلة داخل المنشأة، حيث قررت النيابة العامة حبس سيدتين لاتهامهما بإدارة المكان، مع انتداب الطبيب الشرعي لتحديد سبب الوفاة وبيان طبيعة المواد الموجودة بجسد المتوفاة، إلى جانب تشكيل لجنة من إدارة العلاج الحر لفحص المخالفات الطبية والإدارية بالمقر.
كما كشفت واقعة أخرى بمنطقة البدرشين عن اتهامات موجهة إلى مالك مصحة وثلاثة مشرفين بإدارة منشأة طبية دون ترخيص، واحتجاز عدد من النزلاء دون وجه حق، والتعدي عليهم وتعذيبهم باستخدام العصي والمواسير البلاستيكية، فضلًا عن مزاولة نشاط العلاج النفسي دون الحصول على الترخيص اللازم، وهي الواقعة التي أُحيل المتهمون فيها إلى المحاكمة الجنائية.
الرقابة على مراكز علاج الإدمان وحماية حقوق المرضى
وتعكس هذه الوقائع أهمية التحركات الرقابية التي تستهدف مواجهة المراكز غير المرخصة، باعتبار أن القضية تتجاوز مجرد مخالفة شروط الترخيص إلى حماية الحق في العلاج الآمن وصون حياة المرضى وكرامتهم. وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة الصحة خلال يناير 2026 إغلاق 32 مركزًا غير مرخص لعلاج الإدمان والطب النفسي، مؤكدة استمرار حملات التفتيش والرقابة على المنشآت العلاجية، سواء غير المرخصة أو الحاصلة على تراخيص، للتحقق من التزامها بالمعايير الطبية والصحية المعتمدة.
وبحسب البيانات الصادرة عن وزارة الصحة، يتجاوز عدد مراكز علاج الإدمان المرخصة 284 مركزًا على مستوى الجمهورية، إلى جانب المراكز التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية وصندوق مكافحة وعلاج الإدمان، وهو ما يوفر بدائل علاجية قانونية يمكن للأسر اللجوء إليها بدلًا من التعامل مع منشآت مجهولة الوضع القانوني أو غير مستوفية للاشتراطات الطبية.
وفي مواجهة هذه الظاهرة، تبرز أهمية دور الأسرة في التحقق من قانونية المركز قبل إيداع المريض به، والتأكد من حصوله على التراخيص اللازمة وخضوعه للإشراف الطبي المتخصص، فضلًا عن الاستعلام من الجهات المختصة عن الوضع القانوني للمنشآت العلاجية، والإبلاغ عن أي مخالفات أو ممارسات تثير الشكوك بشأن سلامة المرضى.
وفي النهاية، فإن مريض الإدمان لا يحتاج إلى مجرد مكان للإقامة أو العزل عن المواد المخدرة، وإنما يحتاج إلى منظومة علاجية متكاملة توفر له الرعاية الطبية والنفسية والتأهيلية اللازمة، وتحفظ حقوقه وكرامته. ومن ثم، فإن إدارة مراكز العلاج بعيدًا عن الرقابة القانونية والطبية لا تمثل مجرد مخالفة إدارية، بل قد تتحول إلى اعتداء على سلامة المرضى وحقهم في الحصول على علاج آمن، بما يستوجب استمرار الرقابة والمساءلة القانونية لكل من يستغل معاناتهم لتحقيق مكاسب مادية على حساب حياتهم.



