في الوقت الذي تعتمد فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي على تلقي الأوامر والتعليمات لتنفيذ مهام محددة، مثل تحليل البيانات والإجابة عن الأسئلة وحل المشكلات، يبرز تساؤل مختلف حول طبيعة سلوك هذه الأنظمة عندما تُترك دون توجيه مباشر: هل تتوقف عن العمل في غياب المهام، أم تتمكن من ابتكار أنشطة وسلوكيات لم يتوقعها مطوروها؟
هذا التساؤل كان محور دراسة جديدة أجراها باحثون في مختبر علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بهدف استكشاف كيفية تصرف وكلاء الذكاء الاصطناعي عندما لا يُكلفون بأهداف محددة، وما إذا كان بإمكانهم تطوير مهارات ومعارف جديدة من خلال الاستكشاف الذاتي.
ووفقًا لموقع «TechXplore» المتخصص في أخبار التكنولوجيا، أجرى الباحثون تجربة فريدة وضعوا خلالها مجموعة من وكلاء الذكاء الاصطناعي في بيئة افتراضية، ومنحوهم الحرية لاستكشاف محيطهم دون تدخل بشري مباشر، لتكشف النتائج عن سلوكيات إبداعية قد تسهم في تغيير أساليب تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطويرها مستقبلًا.
جزيرة افتراضية لاختبار قدرات الذكاء الاصطناعي
وضعت الدراسة 13 وكيلًا افتراضيًا يحملون اسم «إيكو»، طُوّروا باستخدام مساعد البرمجة «كلود كود»، داخل جزيرة ثلاثية الأبعاد معزولة تُعرف باسم «عالم ميسا»، وتعمل على محرك ألعاب مخصص يُسمى «كلوبلوكس».
وعلى مدار 30 ساعة متواصلة، تعمد الباحثون عدم تزويد الوكلاء بأي تعليمات بشرية لإنجاز مهام أو تحقيق أهداف محددة، مكتفين بتوجيه واحد يتمثل في تشجيعهم على الفضول والاستكشاف.
ولضمان استمرار التجربة مع الحفاظ على ذاكرة الوكلاء، كان الباحثون يعيدون ضبط البيئة الافتراضية كل ساعة، مع السماح للأنظمة بتسجيل اكتشافاتها وملاحظاتها في ملفات نصية، ثم استعادة هذه المعلومات بعد كل عملية إعادة تهيئة.
وكان الباحثون يتوقعون أن تتوقف البرامج عن الحركة أو تنخرط في تكرار أنشطة آلية محدودة، إلا أن النتائج جاءت مختلفة؛ إذ أظهرت الوكلاء قدرة على ابتكار أنشطة وألعاب خاصة بها، ووضع قواعد لتنظيم هذه الأنشطة دون تدخل بشري مباشر.
ألعاب رياضية وتحديات ابتكرها الذكاء الاصطناعي بنفسه
أظهرت التجربة مجموعة من السلوكيات اللافتة، إذ ابتكر وكلاء الذكاء الاصطناعي ألعابًا رياضية، من بينها البولينج وكرة السلة، مستفيدين من الأدوات والعناصر المتاحة داخل البيئة الافتراضية، بما في ذلك استخدام حلقة افتراضية لمحاكاة طوق كرة السلة.
ولم تقتصر أنشطتهم على الألعاب، بل امتدت إلى تشييد أبراج معقدة، ورسم أشكال هندسية متناسقة على الأرض، إلى جانب ابتكار تحديات حركية لأنفسهم، مثل القفز بين الكتل الافتراضية مع تجنب ملامسة الأرض.
وتشير هذه السلوكيات إلى أن غياب الأهداف المحددة مسبقًا لم يمنع الوكلاء من الانخراط في أنشطة متنوعة، بل أتاح لهم فرصة تجربة إمكانات البيئة المحيطة واكتشاف طرق جديدة للتفاعل معها.
الاستكشاف الحر يعزز أداء أنظمة الذكاء الاصطناعي
ومن أبرز النتائج التي توصل إليها الباحثون أن الوقت الذي قضاه الوكلاء في الاستكشاف الحر لم يكن مجرد نشاط افتراضي بلا هدف، بل أسهم في تحسين أدائهم في المهام اللاحقة.
وأظهرت الاختبارات، بحسب الدراسة، أن الوكلاء الذين أمضوا 30 ساعة في الاستكشاف الذاتي حققوا أداءً أفضل بكثير في المهام التي أُسندت إليهم لاحقًا، مقارنة بوكلاء جدد لم يخوضوا التجربة نفسها.
وتفتح هذه النتيجة الباب أمام دراسة العلاقة بين الاستكشاف الحر واكتساب المهارات، إذ تشير إلى أن منح أنظمة الذكاء الاصطناعي فرصة للتفاعل مع بيئاتها وتجربة أنشطة مختلفة قد يساعدها على تطوير قدراتها، بدلًا من الاقتصار على التدريب المباشر لتنفيذ مهام محددة.
الذكاء الاصطناعي يكتشف خصائص لم يعرفها المطورون
ولم تتوقف النتائج عند ابتكار الألعاب والأنشطة، إذ أشارت الدراسة إلى أن الوكلاء تمكنوا من اكتشاف حيل وخصائص فيزيائية داخل بيئة المحاكاة لم يكن مطوروها على دراية بها.
وأوضح مؤلفو الدراسة أن الاستكشاف الذاتي لم يقتصر على اكتشاف معلومات أُتيحت داخل البيئة الافتراضية مسبقًا، بل أسفر أيضًا عن معرفة جديدة بشأن كيفية عمل العالم الذي صممه المطورون.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة؛ لأنها تشير إلى إمكانية أن تكشف الأنظمة، من خلال التجربة والتفاعل، عن خصائص غير واضحة حتى لمصممي البيئة نفسها، وهو ما قد يساعد الباحثين على فهم أفضل لكيفية اكتساب الذكاء الاصطناعي للمعرفة خارج إطار التعليمات المباشرة.
هل يغير الاستكشاف الذاتي مستقبل تدريب الذكاء الاصطناعي؟
تطرح نتائج الدراسة تصورًا مختلفًا لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، يقوم على عدم الاكتفاء بتزويدها بالبيانات والأوامر والمهام المحددة، وإنما إتاحة مساحة لها للاستكشاف والتجربة والتعلم من التفاعل مع البيئات المحيطة.
ويرى الباحثون أن هذا النهج قد يسهم في بناء أنظمة أكثر مرونة وقدرة على الابتكار والتكيف مع المواقف الجديدة، من خلال إتاحة فرص للتعلم الذاتي تشبه، من بعض الجوانب، الطريقة التي يكتشف بها الأطفال العالم المحيط بهم.
ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تمتلك فضولًا أو وعيًا ذاتيًا مماثلًا للبشر، وإنما توضح أن تصميم بيئات تسمح بالاستكشاف وتراكم الخبرات قد يساعدها على تطوير سلوكيات ومهارات لم تُحدد لها بصورة مباشرة.
وبذلك، تقدم الدراسة اتجاهًا بحثيًا واعدًا في مجال الذكاء الاصطناعي، يركز على دور التجربة الحرة في اكتساب المعرفة، ويفتح المجال أمام تطوير أساليب تدريب تتجاوز الاعتماد الكامل على الأوامر المسبقة، وصولًا إلى أنظمة أكثر قدرة على الاستكشاف والتعلم والتعامل مع التحديات غير المتوقعة.



