لم تعد حسابات تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة مقتصرة على المنافسة بين معسكري اليمين والمعارضة، إذ برزت الأحزاب العربية بوصفها طرفًا مؤثرًا في المفاوضات السياسية، في ظل تقارب النتائج الانتخابية وعدم تمكن أي من المعسكرين من حصد الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، والمحددة بـ61 مقعدًا من إجمالي 120 مقعدًا في الكنيست.
وبحسب النتائج الواردة في التقرير، أظهرت استطلاعات الرأي تقدمًا محدودًا للمعارضة، قبل أن تتغير المؤشرات مع استمرار فرز الأصوات، ويتقدم المعسكر الذي يقوده حزب «الليكود». ومع عدم حسم النتائج النهائية في المرحلة التي يتناولها التقرير، ظلت احتمالات تشكيل الحكومة مفتوحة أمام عدة سيناريوهات، في وقت يسعى فيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تأمين أغلبية تضمن استمراره في السلطة، بينما تعمل المعارضة على حشد الدعم اللازم لتشكيل حكومة بديلة.
وفي ظل هذه المعادلة، تكتسب مواقف الأحزاب العربية أهمية خاصة، نظرًا إلى قدرتها على التأثير في المفاوضات المتعلقة بتشكيل الائتلاف الحكومي المقبل.
الأحزاب العربية تعزز حضورها في معادلة تشكيل الحكومة
ووفقًا لما أوردته صحيفة «التليجراف» البريطانية، حصل الحزبان العربيان «رعام» و«القائمة المشتركة» على نحو 18 مقعدًا، وهو ما يمنحهما وزنًا في الحسابات البرلمانية المتعلقة بتشكيل الحكومة.
وتتوقف أهمية هذه المقاعد على مدى إمكانية التوصل إلى تفاهمات بين الأحزاب العربية وقوى المعارضة الإسرائيلية، في ظل اختلاف المواقف السياسية والشروط التي يطرحها كل طرف بشأن دعم أي ائتلاف حكومي جديد.
وخلال حملته الانتخابية، سعى نتنياهو إلى تصوير التعاون بين المعارضة والأحزاب العربية باعتباره خيارًا مرفوضًا لدى قطاعات من المجتمع اليهودي الإسرائيلي، بينما ربط بعض منافسيه السياسيين مسألة التعاون بمواقف الأحزاب العربية من القضايا الأمنية.
ومع ذلك، فإن دخول الأحزاب العربية في المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومات ليس سابقة في السياسة الإسرائيلية، إذ سبق أن شاركت أحزاب عربية في دعم ترتيبات حكومية أو التفاوض بشأنها، ما يبقي احتمال تكرار هذا السيناريو قائمًا، وفقًا لطبيعة التفاهمات التي قد تتوصل إليها الأطراف المعنية.
حسابات الكنيست تضع مستقبل نتنياهو أمام عدة احتمالات
أعاد تقارب النتائج الانتخابية الأحزاب العربية إلى صدارة الحسابات المتعلقة بتشكيل الحكومة، بعدما عجز معسكر نتنياهو وقوى المعارضة بقيادة جادي آيزنكوت ويائير لابيد عن تأمين أغلبية برلمانية مستقلة.
وفي ظل هذه الظروف، قد تمثل المقاعد العربية عاملًا مؤثرًا في المفاوضات، سواء من خلال دعم ائتلاف معارض أو التوصل إلى تفاهمات بشأن قضايا محددة، دون أن يعني ذلك بالضرورة المشاركة المباشرة في الحكومة.
وتتوقف قدرة هذه الأحزاب على التأثير في المسار السياسي على طبيعة الاتفاقات الممكنة مع القوى الأخرى، ومدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات تتيح تجاوز الخلافات السياسية والأيديولوجية.
آيزنكوت يطرح شروطًا للتعاون مع الأحزاب العربية
وفي سياق المفاوضات المحتملة، لم يستبعد جادي آيزنكوت، زعيم حزب «ياشار»، التعاون مع الأحزاب العربية، مؤكدًا أهمية احترام نتائج الانتخابات والعمل على تشكيل حكومة مستقرة، وفقًا لما أوردته الصحيفة البريطانية.
وطرح آيزنكوت أربعة مبادئ للتعاون السياسي، تتضمن الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، والالتزام بقيم إعلان الاستقلال، وإقرار قانون للخدمة الشاملة، والعمل على تفكيك حركة حماس.
وتثير هذه المبادئ تساؤلات بشأن مدى استعداد حزبي «رعام» و«القائمة المشتركة» لقبولها، وإمكانية التوصل إلى صيغة تفاهم تسمح بدعم حكومة بديلة، مع الحفاظ على المواقف السياسية لكل طرف ومطالب الناخبين الذين يمثلهم.
وفي هذا الإطار، يبدو حزب «رعام»، بقيادة منصور عباس، أكثر انفتاحًا على التفاوض مع معسكر التغيير، بينما تؤكد «القائمة المشتركة» استعدادها للحوار مع المعارضة وفق شروط تراعي مصالح المواطنين العرب وحقوقهم.
مطالب المساواة والتمثيل السياسي تتصدر أولويات الناخبين العرب
ولا تقتصر أهمية مشاركة الأحزاب العربية في المفاوضات على تحديد هوية الحكومة المقبلة، بل تمتد إلى مدى قدرتها على تحويل ثقلها الانتخابي إلى مكاسب سياسية تلبي مطالب المواطنين العرب داخل إسرائيل.
وفي هذا السياق، نقل التقرير شهادات لناخبين عرب في مدينة يافا، عبّروا خلالها عن تطلعاتهم إلى تحقيق السلام والمساواة والحد من التمييز، إلى جانب تعزيز مشاركتهم في صنع القرار السياسي.
وأشار بعض الناخبين إلى أن دعمهم للأحزاب العربية يرتبط بالرغبة في تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين العرب وزيادة تمثيلهم داخل المؤسسات السياسية، فيما عبّر آخرون عن رفضهم استمرار الانقسامات والعنف.
وتكتسب هذه المطالب أهمية في ضوء ما أورده التقرير بشأن ارتفاع مشاركة الناخبين العرب مقارنة بفترات انتخابية سابقة شهدت عزوفًا لدى قطاعات منهم احتجاجًا على التمييز.
وبناءً على ذلك، تواجه الأحزاب العربية تحديًا يتمثل في تحديد كيفية استثمار نتائج الانتخابات، سواء من خلال دعم ترتيبات سياسية جديدة أو انتزاع تعهدات واضحة من القوى الساعية إلى تشكيل الحكومة بشأن الحقوق المدنية والاجتماعية للمواطنين العرب.
مخاوف من سياسات اليمين تجاه الفلسطينيين والمواطنين العرب
وفي المقابل، يثير احتمال تشكيل حكومة جديدة بقيادة اليمين مخاوف لدى قطاعات من المواطنين العرب، خاصة في ظل المواقف التي نسبها التقرير إلى وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش وشخصيات يمينية أخرى بشأن ضم الضفة الغربية المحتلة، والهجرة القسرية، وتعزيز الطابع اليهودي في المناطق التي تضم تجمعات عربية داخل إسرائيل.
وتضع هذه المواقف الأحزاب العربية أمام تحديات تتعلق بطبيعة تعاملها مع القوى السياسية الإسرائيلية، ومدى قدرتها على حماية مصالح المواطنين العرب في ظل احتمالات تغير السياسات الحكومية المتعلقة بالحقوق المدنية والأوضاع المعيشية والتمثيل السياسي.
كما تجعل هذه القضايا طبيعة التفاهمات المحتملة مع المعارضة موضع نقاش، إذ لا يقتصر التفاوض على توزيع المقاعد أو تحديد هوية رئيس الحكومة، وإنما يشمل أيضًا السياسات التي يمكن أن تتبناها الحكومة المقبلة ومدى استجابتها لمطالب المساواة والحقوق المدنية.
المفاوضات المقبلة ترسم حدود التأثير السياسي للأحزاب العربية
وتبقى مواقف الأحزاب العربية وشروطها للتعاون مع المعسكرات الإسرائيلية المختلفة من العوامل المطروحة في حسابات تشكيل الحكومة، في ظل عدم امتلاك أي معسكر أغلبية برلمانية مستقلة وفقًا للأرقام الواردة في التقرير.
وبين احتمالات دعم حكومة بديلة، أو التوصل إلى تفاهمات بشأن ملفات محددة، أو البقاء خارج الائتلاف الحكومي، يتوقف حجم التأثير السياسي للأحزاب العربية على مسار المفاوضات ومدى استعداد الأطراف الأخرى للاستجابة لمطالبها.
وفي النهاية، تضع هذه المعادلة الأحزاب العربية أمام اختبار يتعلق بقدرتها على ترجمة تمثيلها البرلماني إلى نتائج ملموسة، بينما تظل هوية الحكومة الإسرائيلية المقبلة والسياسات التي ستتبناها مرهونة بالتفاهمات التي قد تتشكل خلال المرحلة التالية للانتخابات.



