غزة تواجه أزمة متفاقمة في المياه والخدمات الصحية.. نقص الوقود والإمدادات يهدد استمرار الرعاية
تواجه الخدمات الصحية والمائية في قطاع غزة ضغوطًا متزايدة بسبب نقص الوقود وقطع الغيار والإمدادات الطبية، في ظل أضرار واسعة لحقت بالبنية التحتية واستمرار احتياجات السكان والنازحين. وأظهر تقرير أممي نُشر في أكتوبر 2026 أن نقص المستلزمات الضرورية يهدد استمرارية بعض الخدمات الصحية، بما فيها علاج مرضى الأمراض المزمنة، إلى جانب تأثيره في إنتاج مياه الشرب وتشغيل مرافق أساسية.
وتأتي هذه الأزمة في وقت يحتاج فيه عدد كبير من السكان إلى رعاية طبية مستمرة، بينما تواجه الأسر النازحة صعوبات في الحصول على المياه والمواد الأساسية. ولا ترتبط المشكلة بتوافر الأجهزة الطبية وحدها؛ إذ تحتاج المستشفيات ومرافق المياه إلى كهرباء ووقود ومواد تشغيل وصيانة حتى تتمكن من تقديم الخدمات بصورة منتظمة.
لماذا تواجه مرافق المياه صعوبات متزايدة؟
تعتمد منظومة المياه على مجموعة من المكونات المترابطة، تشمل محطات التحلية والضخ وشبكات التوزيع وقطع الغيار والمواد اللازمة للصيانة. وعندما تتعطل إحدى هذه المكونات، قد يتراجع إنتاج المياه أو تتأثر القدرة على نقلها إلى المناطق السكنية.
وأفاد التقرير الإنساني الأممي بأن إنتاج مياه الشرب خلال الفترة من 6 إلى 12 أكتوبر تراجع إلى نحو 75% من مستوى الأسبوع السابق، وإلى قرابة 66% من الإنتاج الأسبوعي المسجل في منتصف سبتمبر. وأشار التقرير إلى اضطرابات أثرت في تدفق المياه عبر بعض الخطوط، إلى جانب مشكلات مرتبطة بالإمدادات الكهربائية في منشأة للتحلية جنوب القطاع.
وتوضح هذه البيانات أن إنتاج المياه قد يتأثر بأعطال فنية أو نقص الإمدادات أو انقطاع الكهرباء، وليس بسبب عامل واحد فقط. كما أن إصلاح خط مياه لا يضمن بالضرورة عودة الخدمة إلى مستوياتها المعتادة إذا استمرت مشكلات الطاقة أو نقصت المواد اللازمة لتشغيل المحطات.
كيف يؤثر نقص المياه على الأسر؟
تحتاج الأسر إلى المياه للشرب وإعداد الطعام والنظافة الشخصية وتنظيف أماكن الإقامة. وعندما تنخفض الكميات المتاحة، تضطر العائلات إلى تنظيم الاستخدام اليومي والاعتماد على نقاط توزيع أو وسائل نقل بديلة، وقد تواجه صعوبات إضافية إذا كانت المسافة إلى مصادر المياه طويلة.
وتزداد المخاطر الصحية عندما لا تتوافر كميات كافية للنظافة أو عندما تتضرر شبكات الصرف الصحي. ففي هذه الظروف، يصبح الحفاظ على نظافة أماكن الإيواء والأدوات المستخدمة في إعداد الطعام أكثر صعوبة، وهو ما قد يزيد احتمالات انتشار بعض الأمراض.
وتتأثر الأسر التي تضم أطفالًا أو مرضى أو أشخاصًا يحتاجون إلى رعاية خاصة بدرجة أكبر، لأن هذه الفئات قد تحتاج إلى كميات منتظمة من المياه وظروف صحية مستقرة. كما أن الأسر التي تعيش في خيام أو أماكن إيواء مؤقتة قد تواجه تحديات إضافية في تخزين المياه وحمايتها من التلوث.
نقص الوقود وقطع الغيار يهدد الخدمات الصحية
لا تعتمد المستشفيات على توفر الأدوية والأجهزة فقط، بل تحتاج إلى الكهرباء والوقود والمولدات وقطع الغيار والمواد الاستهلاكية. وقد يؤدي نقص أي عنصر أساسي إلى تقليص بعض الخدمات أو صعوبة استمرارها بصورة طبيعية.
وأشار التقرير الأممي إلى أن نقص الوقود وقطع الغيار والأدوية الأساسية يهدد خدمات صحية حيوية، بما فيها غسيل الكلى وعلاج السرطان والرعاية المقدمة للأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة. وتحتاج هذه الخدمات إلى استمرارية في التشغيل، لأن تأجيل العلاج أو انقطاعه قد يؤدي إلى مضاعفات تختلف باختلاف حالة المريض.
كما يفرض نقص الإمدادات ضغوطًا على الفرق الطبية، التي تضطر إلى ترتيب الأولويات وفق الاحتياجات الأكثر إلحاحًا والموارد المتاحة. وقد تتطلب بعض الحالات تحويل المرضى إلى مرافق أخرى، لكن ذلك يعتمد على توافر القدرة الاستيعابية وإمكانية النقل والوصول إلى العلاج.
الأمراض المعدية تزيد الضغط على القطاع الصحي
أظهر التقرير الأممي أن الأمراض المعدية شكلت نحو 18.6% من الاستشارات الصحية المسجلة خلال الفترة من 4 إلى 10 أكتوبر، مع تصدر التهابات الجهاز التنفسي الحالات المسجلة، تلتها الأمراض الجلدية والإسهال المائي الحاد.
ولا تعني هذه النسب وحدها أن جميع الأمراض مرتبطة مباشرة بنقص المياه أو سوء الإيواء، لكنها توضح أهمية متابعة الأوضاع الصحية في بيئة تتعرض فيها الخدمات لضغوط متزايدة. فالاكتظاظ وصعوبة الوصول إلى المياه وخدمات النظافة قد تجعل التعامل مع بعض الأمراض أكثر تعقيدًا.
وتحتاج مواجهة هذه المخاطر إلى دعم المرافق الصحية بالأدوية والمستلزمات، وتحسين الوصول إلى المياه الآمنة، وتعزيز خدمات النظافة والتوعية الصحية. كما أن الكشف المبكر عن الحالات وتوفير الرعاية المناسبة يمكن أن يحدا من تطور بعض الأمراض، خصوصًا لدى الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.
ما حجم الاحتياجات الإنسانية؟
تتجاوز الاحتياجات في غزة نطاق القطاع الصحي، لتشمل الغذاء والإيواء والمياه والصرف الصحي ووسائل الحماية من الطقس. وقد أشار التقرير الأممي إلى تراجع إنتاج الوجبات المطهية يوميًا بنحو 12% ليصل إلى قرابة 614 ألف وجبة خلال الفترة التي تناولها التقرير، وسط قيود تمويلية.
وتؤدي هذه الضغوط إلى زيادة أهمية التنسيق بين الجهات الإنسانية، بحيث تصل الموارد إلى المواقع الأكثر احتياجًا، مع الحفاظ على استمرارية الخدمات التي لا يمكن تأجيلها. كما يتطلب الأمر توفير الوقود وقطع الغيار والمواد الأساسية التي تسمح بتشغيل مرافق المياه والصحة بدلًا من الاكتفاء بإرسال إمدادات لا يمكن استخدامها من دون بنية تشغيلية مناسبة.
ولا يمكن قياس حجم الاحتياجات من خلال عدد المساعدات الموزعة وحده؛ إذ ينبغي النظر أيضًا إلى عدد السكان الذين تصل إليهم الخدمات، ومدى انتظامها، وجودتها، وقدرة المرافق على مواصلة العمل.
ما المطلوب لضمان استمرار الخدمات؟
تحتاج المرافق الصحية والمائية إلى إمدادات منتظمة من الوقود وقطع الغيار والمواد الطبية، إلى جانب إصلاح الشبكات والمعدات المتضررة. كما أن ضمان وصول فرق الصيانة والمواد إلى المنشآت يعد عاملًا أساسيًا في تقليل مدة التعطل.
وتبرز أهمية إعطاء الأولوية للخدمات التي يعتمد عليها المرضى الذين يحتاجون إلى علاج مستمر، مع توفير خطط بديلة عند حدوث أعطال. وبالنسبة إلى المياه، فإن دعم محطات التحلية والضخ وصيانة خطوط الإمداد يمكن أن يساعد في استعادة الإنتاج وتحسين التوزيع.
الخلاصة: تكشف البيانات الأممية الصادرة خلال أكتوبر 2026 عن ضغوط متزايدة على خدمات المياه والصحة في غزة، بسبب نقص الوقود وقطع الغيار والإمدادات الأساسية. ويعتمد تخفيف الأزمة على ضمان دخول المواد اللازمة، وإصلاح البنية التحتية، واستمرار الرعاية الطبية والمياه الآمنة، مع إعطاء الأولوية للسكان الأكثر احتياجًا.



