تتواصل موجة الحرائق المُدمِّرة التي تجتاح اليونان صيف هذا العام، وسط كشف مثير، أوردته مجلة “بوليتيكو” الأمريكية، يُحمِّل شبكة الكهرباء المتهالكة مسؤولية نحو 75% من إجمالي المساحات المحترقة في البلاد، استنادًا إلى بيانات أولية من مديرية التحقيق في جرائم الحرق المتعمد اليونانية وتحقيقات ميدانية في أحدث الكوارث.

وتكشف الوقائع أن أسلاك الضغط المتقادمة التي تمتد فوق الغابات منذ ستينيات القرن الماضي، لم تُعالَج على مدى عقود رغم التحذيرات المتكررة، لتتحول اليوم في ظل موجات الحر والرياح المتصاعدة إلى فتيل متأهب للاشتعال في أي لحظة.

حين تتحول الشرارة إلى كارثة

تشير “بوليتيكو” إلى أن ما يُميّز حرائق الشبكة الكهربائية ليس تكرارها، بل ضراوتها، إذ تندلع في أسوأ الظروف، رياح عاتية وذروة استهلاك ومناطق نائية موغلة في الغابات، فتتحول الشرارة الصغيرة إلى جحيم يصعب السيطرة عليه.

وقد أكد إلياس تزيريتيس، منسق شؤون الحرائق في منظمة الصندوق العالمي للطبيعة باليونان، لبوليتيكو، أن “ستة من كل عشرة حرائق كبرى، و55% من المساحات المحترقة في 2025، مصدرها شبكة الكهرباء”، مشددًا على أن الشبكة، وإن لم تكن الأكثر تسببًا في عدد الحوادث، فإنها تُنتج دائمًا الأشد تدميرًا، وأسباب ذلك معروفة تقنيًا، وهي أسلاك متدلية، وتراكم للغبار على معدات النقل، وتشابك للأشجار مع الكابلات، وكلها مصادر للشرار تتضاعف خطورتها حين تشتد الرياح ويرتفع الحمل على شبكة أنهكها الزمن.

جذور الأزمة

يعود أصل المشكلة إلى ستينيات القرن الماضي، حين اختارت اليونان مد شبكتها الكهربائية فوق سطح الأرض توفيرًا للتكاليف، فامتدت الأسلاك فوق الغابات والمناطق الريفية المتفرقة السكان.

ثم جاءت الأزمة المالية التي اندلعت عام 2009، لتُجمِّد الاستثمار في تحديث هذه الشبكة سنوات طويلة، فتعمقت الهشاشة وتراكم الإهمال.

يقول اللواء المتقاعد كريستوس كالوجيروبولوس، المدير السابق لوحدة جرائم الحرائق، إن الجهات المختصة رفعت أصواتها منذ سنوات مطالبةً بدفن الكابلات تحت الأرض بشكل عاجل، “لكن النداءات ذهبت أدراج الرياح”، وفق ما أوردته بوليتيكو.

الشرارة الكهربائية في قفص الاتهام

في نهاية يوليو الماضي، اندلع حريقان مُدمِّران في غرب أتيكا وجزيرة كريت، أتيا على أكثر من 36 ألف فدان وأودى بحياة أربعة أشخاص.

وقد أشارت النتائج الأولية لفرقة الإطفاء اليونانية إلى ارتباط الحادثتين بشبكة الكهرباء، وفي أعقاب ذلك، اعتُقل مديران في شركة HEDNO للتشغيل والصيانة على خلفية حريق كريت قبل أن يُطلق سراحهما، فيما كشفت تحقيقات حريق فيوتيا، الذي امتد إلى غرب أتيكا، أن الشرارة جاءت من معدات تابعة لمزرعة رياح خاصة، ما أفضى إلى اعتقال عمدة محلي ومقاول وصاحب شركة.

وفي ضوء ذلك، أعلن وزير الطاقة ستافروس بابا ستافرو، عزم الحكومة تشديد القواعد المُنظِّمة لمشاريع الطاقة الخاصة، غير أن خبراء حذروا من أن التركيز على المُشغِّلين الخاصين قد يُلقي بظلاله على المشكلة الأكبر، وهي شبكة الدولة المتقادمة.

بين دفاع الشركة وضغط الأرقام

في مواجهة هذا السيل من الاتهامات، دافعت شركة HEDNO عن نفسها بحدة، مؤكدة أن أقل من 1% من حوادث الحريق في 2025 يُعزى إليها، مقارنةً بنحو 3% في الولايات المتحدة، ومشيرةً إلى انتشار طواقمها على خطوط النار لدعم خدمات الطوارئ.

وذهبت الشركة أبعد من ذلك حين اتهمت المنتقدين بـ”خدمة أجندات شخصية وتغطية مسؤوليات محلية” على حساب الحقيقة، وفق بيانها الذي نقلته بوليتيكو، غير أن الأرقام القضائية تسير في اتجاه معاكس، إذ ارتفعت القضايا المرفوعة ضد الشركة من 369 إلى 681 قضية خلال عام 2024 وحده.

وتُشير المحامية إيفجينيا لازاراكي، التي تترافع عن ضحايا حريق نيابولي 2015 في لاكونيا، إلى أن المواطن العادي يجد نفسه في موقع ضعف أمام شركات الكهرباء التي تمتلك الخبرة التقنية وتُهيمن على الأدلة.

وعلى الجانب الآخر من المحيط، يُلوّح مصير شركة PG&E الكاليفورنية بتحذير صارخ، إذ أعلنت إفلاسها بعد أن أشعلت معداتها حرائق أثقلتها بمليارات الدولارات من الالتزامات القانونية والتعويضات.