
حذرت وزيرة الاقتصاد الألمانية كاتارينا رايشه من أن تنامي نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتشدد (AfD) قد يثير مخاوف المستثمرين ويعرقل جهود الحكومة لجذب رؤوس الأموال، في وقت تسعى فيه برلين إلى تعبئة ما لا يقل عن 3.75 تريليون يورو من الاستثمارات الخاصة في الاقتصاد الألماني بحلول عام 2040.
وتستعد برلين لاستضافة أول قمة استثمارية في تاريخ ألمانيا في أكتوبر المقبل، فيما قالت “رايشه”، في مقابلة سبقت انعقاد القمة، إن تزايد شعبية حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد يدفع المستثمرين المحتملين إلى إعادة النظر في خططهم، مضيفة أن الحكومة الائتلافية برئاسة المستشار فريدريش ميرز تراهن على القمة للحصول على تعهدات استثمارية كبيرة من صناديق التقاعد وشركات الاستثمار المباشر.
يأتي التحرك الحكومي في وقت يواجه فيه الاقتصاد الألماني تحديات هيكلية متزايدة، بينها المنافسة الصناعية القوية، وارتفاع تكاليف الطاقة، وتسارع شيخوخة السكان، فيما تستعد ولايتان في شرق ألمانيا لإجراء انتخابات برلمانية خلال أسابيع من انعقاد قمة «استثمر في ألمانيا» المقررة في 19 أكتوبر، وسط توقعات بتحقيق حزب «البديل» مكاسب تاريخية.
وأظهرت استطلاعات رأي متعددة أن الحزب اليميني المتشدد يقترب من تحقيق أغلبية مطلقة في برلمان ولاية ساكسونيا أنهالت خلال الانتخابات المقررة في سبتمبر المقبل، بينما صنّفت الهيئة الاتحادية لحماية الدستور، وهي جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني، حزب «البديل» منذ فترة طويلة باعتباره يشكل تهديدًا محتملًا للنظام الديمقراطي في البلاد.
وقالت رايشه إن نظرة واضحة إلى البرنامج الانتخابي للحزب تكشف معارضته لاقتصاد السوق، مشيرة إلى أن برنامجه يفتقر إلى إطار اقتصادي واضح ويتضمن العديد من المقترحات ذات التوجهات الاشتراكية، كما وصفت الوزيرة، المنحدرة من ألمانيا الشرقية السابقة، الحزب بأنه أحد أكثر حلفاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فاعلية.
مخاوف المستثمرين
عكست تحذيرات رايشه تصريحات سابقة لتانيا جونر، رئيسة الاتحاد الاتحادي للصناعات الألمانية (BDI)، التي حذرت في وقت سابق من الشهر الجاري من أن دخول حزب «البديل» إلى حكومة إحدى الولايات سيكون له تأثيرات شديدة الضرر، من بينها زيادة حالة عدم اليقين في الأسواق وتقليص جاذبية ألمانيا كوجهة استثمارية.
وأوضحت رايشه أن حكومة ميرز تنفذ استراتيجية استثمار تعتمد على الاقتراض الاستراتيجي، بهدف جذب 3.75 تريليون يورو إضافية على الأقل من رؤوس الأموال الخاصة بحلول عام 2040، بالتوازي مع استثمارات حكومية تقدر بنحو 1.9 تريليون يورو خلال الفترة نفسها.
وخففت الحكومة بالفعل القيود المفروضة بموجب ما يعرف بـ«كبح الديون» المنصوص عليه دستوريًا، بهدف توفير التمويل اللازم لتحديث القوات المسلحة، وإصلاح البنية التحتية التي ظلت مهملة لسنوات، وخفض الانبعاثات المرتبطة بشبكة الطاقة.
وقالت رايشه إنها أجرت بالفعل محادثات مع مستثمرين من الولايات المتحدة وآسيا والشرق الأوسط للترويج لما وصفته بفرصة استثمارية قد تتاح مرة واحدة في جيل، تتمثل في الاستحواذ على حصص في الشركات الألمانية الصغيرة والمتوسطة المملوكة عائليًا، والمعروفة باسم «الأبطال الخفيين»، والتي يواجه كثير منها حاليًا انتقالًا حاسمًا في ملكية الأجيال.
قمة استثمارية
استفادت القمة الاستثمارية الألمانية المقررة في أكتوبر المقبل من تجارب فعاليات مماثلة في دول أخرى، بينها قمة «اختر فرنسا» الاستثمارية التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والتي سجلت في وقت سابق من العام تعهدات استثمارية قياسية بلغت 93 مليار يورو.
وتتوقع الحكومة الألمانية مشاركة ما يصل إلى 200 مستثمر في القمة، بينهم ديفيد سولومون، الرئيس التنفيذي لشركة جولدمان ساكس (Goldman Sachs)، ولاري فينك، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك(BlackRock)، وكان فينك قد عيّن ميرز سابقًا رئيسًا لمجلس إدارة بلاك روك ألمانيا.
وانتمت رايشه إلى الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، الحزب الذي ينتمي إليه ميرز، مؤكدة أن ألمانيا، رغم ضعف اقتصادها في الوقت الراهن، لا تزال قوة صناعية رئيسية، بفضل تجمعات صناعية تنافسية، وقدرات متقدمة في البحث العلمي، وقوة عاملة تتمتع بمستوى عالٍ من المهارة.
وأضافت أن الحكومة الألمانية تعمل للمرة الأولى على الترويج بشكل استباقي لجاذبية البلاد الاستثمارية، معتبرة أن برلين تدرك الآن ضرورة عرض الفرص التجارية المتاحة أمام المستثمرين، بدلًا من الاعتماد فقط على المبادرات التي تقودها الدولة.
إصلاحات اقتصادية
وأشارت رايشه إلى أن مستثمرين من الولايات المتحدة، وصناديق التقاعد الكندية، وشركات البنية التحتية، إلى جانب مستثمرين من دول الخليج وسنغافورة واليابان، أبدوا بالفعل اهتمامًا بالاستثمار في مشروعات داخل ألمانيا.
وأضافت أن شركات إدارة الأصول العالمية تراقب عن كثب أجندة الإصلاح التي تنفذها حكومة ميرز، وتقر بالإجراءات التي اتخذتها بالفعل، ومنها خطط لإدخال مكون استثماري في أسواق رأس المال ضمن نظام التقاعد الحكومي.
وقالت رايشه إن السؤال الرئيسي الذي يطرحه المستثمرون حاليًا يتمثل في مدى قدرة الحكومة على مواصلة تنفيذ هذه الإصلاحات بصورة متسقة، في وقت بدأ فيه عدد من السياسيين البارزين في الاتحاد الديمقراطي المسيحي ونواب الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) التشكيك في بعض جوانب إصلاح نظام التقاعد.
وتتركز الخلافات خصوصًا حول خطة إلغاء بعض مزايا التقاعد المبكر للعاملين الذين أمضوا 45 عامًا أو أكثر في الخدمة، وهو ما أثار شكوكًا بشأن قدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاح في الموعد المقرر.
ورغم هذه المخاوف، أكدت رايشه أن المستثمرين الذين تحدثت إليهم لا يركزون بصورة مفرطة على التقلبات السياسية قصيرة الأجل أو التحديات الاقتصادية الكلية، موضحة أنهم ينظرون بصورة أكبر إلى فرص الأعمال والقيمة الاستثمارية التي يمكن تحقيقها في ألمانيا.
تعويل على المستثمرين
رأت رايشه أن الألمان يميلون إلى النظر إلى شركاتهم المحلية بصورة أكثر تشاؤمًا مما ينبغي، مضيفة أن البلاد قد تتجاهل أحيانًا نقاط قوتها، بينما يمتلك المستثمرون الدوليون، على نحو مفاجئ، رؤية أوضح للمزايا التي تتمتع بها ألمانيا.
وتُعقد القمة الاستثمارية في أكتوبر في المدرسة الأوروبية للإدارة والتكنولوجيا بالعاصمة برلين، بالقرب من وزارة الخارجية الألمانية وقصر برلين الذي أعيد ترميمه أخيرًا، ومن المقرر أن يلتقي المستثمرون المشاركون بالمستشار فريدريش ميرز، ووزير المالية لارس كلينجبايل، ورايشه، وعدد من كبار أعضاء الحكومة.
وأكدت رايشه أن الائتلاف الحاكم موحد في استراتيجية جذب الاستثمارات، مشيرة إلى أن الائتلاف الذي يقوده ميرز، والمكون من الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وحليفه البافاري الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU)، والحزب الاشتراكي الديمقراطي، سيظهر التزامه المشترك بدعم الاستثمارات الأجنبية خلال القمة.
