تتصاعد حدة القلق لدى أهالي جنوب لبنان إزاء احتمال انسحاب قوات اليونيفيل الأممية، وذلك مع اقتراب نهاية العام 2026 حيث ينتهي التفويض الرسمي للقوة. هذه القوات التي انتشرت منذ عام 1978، أصبحت جزءا جوهريا من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة، مما يجعل رحيلها تهديدا مباشرا لمصدر رزق آلاف السكان.
بلدة إبل السقي الحدودية تمثل نموذجا حيا لهذه العلاقة المتينة، حيث يروي مارك دياب، صاحب متجر يبلغ من العمر 59 عاما، كيف شكلت القوة الدولية عماد نشاطه التجاري لعقود. يؤكد دياب أن وجود الجنود لم يقتصر على توفير الأمن، بل امتد ليشمل علاقات أسرية عميقة، إذ تزوجت شقيقته من عنصر إسباني وانتقلت للعيش في بلده. هذا الاندماج الاجتماعي يجعل فكرة الرحيل مقلقة، خاصة مع استمرار الغارات الإسرائيلية والتحديات الأمنية التي تعيق عودة الاستقرار الكامل للمنطقة.
أثر اقتصادي وأمني عميق في الجنوب
جورج رحال، رئيس بلدية إبل السقي، يحذر من أن توقيت الانسحاب الحالي يفتقر إلى الحكمة في ظل نقص الإمكانات لدى الجيش اللبناني الذي لم يستكمل انتشاره بعد. تشير البيانات إلى أن القوة تضم نحو 7500 عنصر من 50 دولة، ويعمل معها 400 موظف لبناني، مما يعني أن الانسحاب سيترك فراغا ضخما في عدة قطاعات اقتصادية. أندريا تيننتي، المتحدث السابق باسم اليونيفيل لنحو عقدين، يؤكد أن القوة كانت محركا رئيسيا للنشاط التجاري، وأن رحيلها سيضرب شبكة واسعة من المؤسسات.
على الصعيد العملي، يواجه خالد نهرا، صاحب مشغل تطريز عمره 48 عاما، خطر إغلاق مشروعه الذي يوظف أكثر من عشرة أشخاص. نهرا يشير إلى أن زبائنه الرئيسيين كانوا جنود اليونيفيل، وأن مغادرتهم ستجبره على التسريح، وهو ما يقلق الموظفين الذين قضوا 15 أو 20 عاما في نفس المكان دون معرفة مصيرهم البديل.
القرار الأممي الصادر في أغسطس 2025 بإنهاء المهمة تحت ضغوط دولية، أثار موجة من التحذيرات الرسمية اللبنانية التي تطالب بتمديد التفويض. الأهالي في إبل السقي، حيث ترفرف أعلام النرويج والهند تذكيرا بالعلاقات التاريخية، يخشون تكرار سيناريوهات النزاعات السابقة التي أدت إلى تدمير البنية التحتية. التساؤل الأبرز الذي يتجلى في هذه الأثناء هو: من سيتولى حماية السكان وضمان استمرار الحياة اليومية بعد رحيل القوة الأممية؟
في غياب مؤسسات فاعلة، يبدو أن جنوب لبنان يقف على مفترق طرق حرج، حيث تتشابك الأبعاد الأمنية مع المصالح المعيشية البحتة. كل يوم يمر يقرب المنطقة أكثر من واقع الفراغ، مما يستدعي تدخلا عاجلا لتجنب انهيار التوازنات الهشة التي سادت لعقود طويلة.



