المحكمة العليا البريطانية تنظر طعنًا بشأن حظر «فلسطين أكشن».. وحرية التعبير في قلب القضية
بدأت المحكمة العليا البريطانية نظر الطعن المقدم ضد قرار حظر جماعة فلسطين أكشن، في قضية تتعلق بحدود صلاحيات الحكومة وحرية التعبير والتجمع.
بدأت المحكمة العليا في المملكة المتحدة، الأربعاء 4 نوفمبر 2026، جلسات نظر الطعن المقدم ضد قرار الحكومة البريطانية تصنيف مجموعة «فلسطين أكشن» منظمة محظورة بموجب قانون الإرهاب، في قضية تتجاوز الخلاف بشأن وضع المجموعة لتطرح أسئلة قانونية مهمة حول حرية التعبير والتجمع وحدود سلطة الحكومة في حظر التنظيمات.
ويأتي الطعن الذي تقدمت به هدى عموري، إحدى مؤسسات المجموعة، بعد أن أيدت محكمة الاستئناف قرار الحظر في يونيو 2026، بعدما كانت المحكمة العليا قد أصدرت حكمًا سابقًا اعتبر القرار تدخلًا غير مشروع في بعض الحقوق والحريات.
ومن المقرر أن تستمر جلسات المحكمة العليا يومي 4 و5 نوفمبر، على أن تنظر هيئة قضائية تضم خمسة قضاة برئاسة رئيس المحكمة اللورد ريد.
ما القضية المعروضة أمام المحكمة العليا؟
تتمحور القضية حول مدى توافق قرار حظر «فلسطين أكشن» مع المادتين 10 و11 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، اللتين تحميان حرية التعبير وحرية التجمع وتكوين الجمعيات.
وتجادل هدى عموري بأن قرار الحظر يفرض قيودًا واسعة على الحقوق الأساسية، وأن الحكومة لم تحقق التوازن القانوني المطلوب بين اعتبارات الأمن القومي والحريات العامة.
في المقابل، تتمسك الحكومة البريطانية بأن قرار الحظر صدر وفق الصلاحيات المقررة في قانون الإرهاب لعام 2000، وأنه يستند إلى تقييمات تتعلق بطبيعة أنشطة المجموعة والمخاطر المرتبطة بها.
ولا تتعلق القضية بمجرد تقييم المواقف السياسية للمجموعة، بل بفحص قانونية القرار الحكومي وآثاره على الحقوق التي تحميها القوانين البريطانية والاتفاقية الأوروبية.
كيف بدأت إجراءات حظر المجموعة؟
أعلنت وزيرة الداخلية البريطانية قرار إدراج «فلسطين أكشن» ضمن التنظيمات المحظورة في يونيو 2025، ودخل القرار حيز التنفيذ في 5 يوليو من العام نفسه بعد موافقة مجلسي البرلمان.
ويترتب على إدراج أي منظمة ضمن قائمة التنظيمات المحظورة وقوع أنشطة معينة تحت طائلة القانون الجنائي، من بينها الانتماء إلى المنظمة أو دعوتها أو إظهار الدعم لها في ظروف يحددها القانون.
وأثار القرار نقاشًا واسعًا داخل بريطانيا، بسبب تأثيره المحتمل على أنشطة الاحتجاج والتعبير السياسي، خصوصًا أن المجموعة ارتبطت بحملات احتجاجية تستهدف شركات ومؤسسات على خلفية مواقفها من الصناعات العسكرية والسياسات المتعلقة بإسرائيل.
وتؤكد أهمية القضية ضرورة التمييز بين تقييم أفعال محددة من الناحية الجنائية، وبين مدى قانونية حظر تنظيم كامل وما يترتب عليه من قيود على الأفراد.
ماذا قالت المحاكم البريطانية في المراحل السابقة؟
في فبراير 2026، أصدرت المحكمة العليا حكمًا اعتبر قرار الحظر تدخلًا غير قانوني في الحقوق المتعلقة بحرية التعبير والتجمع.
لكن محكمة الاستئناف ألغت هذا الحكم في 15 يونيو 2026، وخلصت إلى أن وزيرة الداخلية تصرفت وفق السياسة المعتمدة، وأن قرار الحظر كان متناسبًا مع الأهداف التي تسعى الحكومة إلى تحقيقها.
وبعد ذلك حصلت هدى عموري على إذن جزئي بالطعن أمام المحكمة العليا، واقتصر نطاق الطعن المقبول على مسألة توافق قرار الحظر مع المادتين 10 و11 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وبالتالي، فإن المحكمة العليا لا تعيد بالضرورة فتح كل جوانب النزاع السابق، بل تركز على المسألة القانونية التي سمحت بالنظر فيها.
منظمات حقوقية تتدخل في القضية
سمحت المحكمة العليا لعدد من المنظمات بالتدخل وتقديم مذكرات قانونية، من بينها منظمة العفو الدولية في بريطانيا ومؤسسة «ليبرتي»، إلى جانب مؤسسات معنية بحرية التعبير والنشر.
كما حصلت منظمتا «إنجليش بن» و«بن إنترناشونال» على إذن بالتدخل، في إطار اهتمامهما بتأثير القضية على حرية التعبير والعمل الثقافي والصحفي.
وتقول الجهات المعترضة على الحظر إن القيود المفروضة قد تؤدي إلى تأثير مثبط على الاحتجاجات والحملات العامة، إذ قد يتردد الأفراد في التعبير عن مواقفهم خشية الوقوع تحت طائلة القانون.
في المقابل، تؤكد الحكومة أن حماية الأمن العام ومنع الأنشطة التي تعتبرها تهديدًا للأمن القومي من مسؤولياتها الأساسية، وأن الحظر يستند إلى إطار قانوني يتيح لها اتخاذ مثل هذه القرارات.
ماذا تعني نتيجة الطعن للمحتجين في بريطانيا؟
قد يكون للحكم أثر مباشر على الطريقة التي تطبق بها السلطات البريطانية القواعد المرتبطة بحظر المجموعة، كما يمكن أن يحدد حدود القيود المفروضة على التعبير عن التأييد أو المشاركة في أنشطة مرتبطة بها.
لكن لا يمكن استباق النتيجة أو اعتبار مجرد بدء الجلسات مؤشرًا على قبول المحكمة للطعن؛ فالمحكمة تستمع إلى حجج الأطراف ثم تصدر قرارها وفق ما تراه من أسس قانونية.
كما أن الحكم في هذه القضية قد تكون له أهمية أوسع بالنسبة إلى العلاقة بين قوانين مكافحة الإرهاب والحقوق المدنية، خاصة عندما تتداخل الأنشطة الاحتجاجية مع قضايا السياسة الخارجية والنزاعات الدولية.
هل يمكن إلغاء قرار الحظر؟
يتوقف ذلك على ما ستخلص إليه المحكمة بعد دراسة الطعن والمذكرات المقدمة. فإذا قبلت المحكمة الحجج القانونية للطاعنة، فقد يترتب على حكمها تغيير الوضع القانوني للقرار أو إعادة النظر في بعض جوانبه، وفق منطوق الحكم.
أما إذا رفضت الطعن، فسيظل قرار الحظر قائمًا وفق الإطار القانوني المعمول به، مع استمرار إمكانية إثارة مسائل أخرى أمام الجهات القضائية المختصة إذا توافرت شروطها.
وتوضح القضية أن الخلاف لا يدور فقط حول مجموعة بعينها، وإنما حول كيفية تحقيق التوازن بين حماية الأمن القومي وصيانة الحريات العامة في دولة ديمقراطية.
ومن المنتظر أن تحظى جلسات المحكمة بمتابعة واسعة، نظرًا لما قد تتركه من آثار على مستقبل الاحتجاجات المرتبطة بالقضية الفلسطينية داخل بريطانيا، وعلى حدود استخدام السلطات لصلاحيات الحظر بموجب قوانين مكافحة الإرهاب.



