الصين تستحوذ على نصف مشروعات الصناعة النظيفة تقريبًا.. استثمارات بـ45 مليار دولار تعيد رسم المنافسة العالمية
أظهر تقرير حديث أن الصين جذبت نحو 45 مليار دولار من استثمارات الصناعة النظيفة خلال 2026، وأصبحت صاحبة الحصة الأكبر من المنشآت العاملة وتحت الإنشاء عالميًا.
حققت الصين تقدمًا لافتًا في سباق الصناعات النظيفة، بعدما جذبت استثمارات بلغت نحو 45 مليار دولار خلال عام 2026، لتصبح صاحبة الحصة الأكبر من المنشآت الصناعية منخفضة الانبعاثات العاملة أو الجاري إنشاؤها حول العالم، في تطور يعكس انتقال المنافسة الاقتصادية الدولية إلى قطاعات تتجاوز الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتشمل الحديد والأسمنت والوقود والمواد الصناعية الثقيلة.
وكشفت بيانات حديثة صادرة عن مؤسسة «Mission Possible Partnership»، المعنية بدعم خفض الانبعاثات في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، أن الصين استحوذت على 23 مشروعًا من أصل 36 مشروعًا صناعيًا كبيرًا نجحت في الوصول إلى مرحلة تأمين التمويل النهائي خلال الاثني عشر شهرًا الماضية.
وتشير البيانات إلى أن الصين أصبحت موطنًا لنحو 49% من المنشآت الصناعية النظيفة العاملة أو التي يجري بناؤها عالميًا، وهو ما يمنحها موقعًا متقدمًا في سوق تتزايد أهميته مع تشديد السياسات البيئية وارتفاع الطلب على المنتجات منخفضة الانبعاثات.
ما الذي تعنيه أرقام الاستثمارات الجديدة؟
توضح الأرقام أن المنافسة في مجال الصناعة النظيفة لم تعد تقتصر على الإعلان عن مشروعات أو وضع أهداف مناخية طويلة الأجل، بل أصبحت ترتبط بقدرة الدول على تحويل الخطط إلى مصانع ممولة وقابلة للتشغيل.
فالوصول إلى التمويل النهائي يمثل مرحلة مهمة في دورة المشروع، لأنه يعني أن الجهات المنفذة تمكنت من توفير الموارد المالية اللازمة للانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ، وفق المعايير التي تعتمدها الجهة التي أعدت قاعدة البيانات.
ومن بين 36 مشروعًا كبيرًا حصلت على قرارات استثمار نهائية خلال الفترة التي يغطيها التقرير، كان نصيب الصين 23 مشروعًا، بقيمة تتجاوز 40 مليار يورو وفق بيانات المؤسسة، بينما أوردت رويترز أن إجمالي استثمارات الصين في الصناعات النظيفة خلال 2026 بلغ نحو 45 مليار دولار.
وتشمل المشروعات قطاعات يصعب خفض انبعاثاتها مقارنة بقطاعات أخرى، مثل إنتاج الأسمنت والصلب والألومنيوم والوقود الصناعي.
لماذا تتقدم الصين على أوروبا والولايات المتحدة؟
يرتبط التقدم الصيني بعدة عوامل، من بينها وجود قاعدة صناعية ضخمة، وسلاسل توريد متكاملة، واستثمارات واسعة في الطاقة المتجددة، إلى جانب سياسات حكومية ساعدت على توجيه التمويل نحو قطاعات التصنيع منخفض الانبعاثات.
وتحتاج المصانع النظيفة إلى أكثر من معدات حديثة؛ فهي تعتمد على توفر الكهرباء منخفضة التكلفة، وإمكانية الحصول على المواد الخام، ووجود شبكات نقل وتوزيع مناسبة، فضلًا عن طلب تجاري يسمح بتسويق المنتجات الجديدة.
وتتمتع الصين بميزة نسبية في عدد من هذه العناصر، بسبب حجم صناعاتها وقدرتها على بناء سلاسل إنتاج واسعة، وهو ما يساعد على خفض تكلفة المشروعات وتسريع تنفيذها.
أما أوروبا والولايات المتحدة، فرغم الاستثمارات والبرامج الحكومية التي أطلقتاها لدعم التحول الصناعي، فإنهما تواجهان تحديات تتعلق بتكلفة الطاقة، وتعقيد إجراءات التنفيذ، وتنافس المشروعات على التمويل والعمالة والبنية التحتية.
ما الصناعات التي تقود التحول؟
أشارت البيانات إلى أن الوقود المستدام والميثانول منخفض الانبعاثات والأمونيا النظيفة كانت من أبرز القطاعات التي جذبت قرارات استثمار خلال الفترة الأخيرة.
ويستخدم الميثانول في عدد من التطبيقات الصناعية ويمكن إنتاجه بطرق تقلل الانبعاثات مقارنة بالمسارات التقليدية، بينما تحظى الأمونيا النظيفة باهتمام متزايد باعتبارها مادة صناعية يمكن أن تدخل في إنتاج الأسمدة، كما يجري بحث استخدامها في تطبيقات مرتبطة بالطاقة والنقل البحري.
أما وقود الطيران المستدام، فيمثل أحد المسارات التي تسعى شركات الطيران إلى استخدامها لتقليل البصمة الكربونية للرحلات، رغم أن إنتاجه على نطاق واسع لا يزال يواجه تحديات تتعلق بالتكلفة وتوفر المواد الأولية.
وتشمل المشروعات أيضًا إنتاج الألومنيوم باستخدام كهرباء أقل في الانبعاثات، وتطوير أساليب جديدة لصناعة الصلب والأسمنت، وهما قطاعان يصعب خفض انبعاثاتهما بسبب طبيعة العمليات الصناعية والحرارة المطلوبة.
هل تتغير خريطة الوظائف والتجارة العالمية؟
قد يكون لتوسع الصين في هذه الصناعات تأثير يتجاوز ملف المناخ، لأن الدولة التي تمتلك مصانع إنتاج واسعة وسلاسل توريد متقدمة تستطيع التأثير في أسعار المنتجات الصناعية وتحديد اتجاهات التجارة والاستثمار.
فإذا أصبحت الصين المورد الرئيسي لبعض أنواع الوقود والمواد الصناعية منخفضة الانبعاثات، فقد تتجه الشركات في دول أخرى إلى الاعتماد على منتجاتها، وهو ما يثير تساؤلات حول الأمن الصناعي والتجاري للدول التي تسعى إلى تقليل اعتمادها على الواردات.
كما أن توزيع الاستثمارات الجديدة يؤثر في أماكن إنشاء المصانع وفرص العمل ونقل التكنولوجيا، وقد يؤدي إلى انتقال بعض الأنشطة الصناعية إلى المناطق التي تتوفر فيها الطاقة منخفضة التكلفة والبنية التحتية المناسبة.
تحدي الكهرباء قد يعرقل التوسع
رغم الأرقام الكبيرة، لا يخلو التوسع من عقبات. فالمشروعات الصناعية النظيفة تحتاج إلى كميات ضخمة من الكهرباء، خصوصًا إذا كانت تعتمد على الهيدروجين أو تقنيات التحويل الكهربائي في الإنتاج.
وتشير تقديرات المؤسسة إلى أن المشروعات المعلنة أو الجاري تطويرها قد تحتاج إلى نحو 3500 تيراواط ساعة من الكهرباء سنويًا، وهو ما يعادل قرابة 12% من الطلب العالمي الحالي على الكهرباء.
ويعني ذلك أن نجاح المشروعات لا يتوقف على التمويل فقط، بل يحتاج إلى شبكات كهرباء قادرة على توفير الطاقة، ومصادر متجددة كافية، واستثمارات في التخزين والنقل والتوزيع.
كما تتنافس المصانع الجديدة مع مراكز البيانات التي تتوسع بسرعة بسبب نمو تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، وهو ما قد يزيد الضغط على شبكات الكهرباء في عدد من الدول.
هل أصبحت الصين صاحبة اليد العليا في الاقتصاد الأخضر؟
تؤكد الأرقام تقدم الصين في عدد المشروعات الصناعية النظيفة، لكنها لا تعني أن المنافسة العالمية انتهت أو أن جميع التقنيات أصبحت تحت سيطرة دولة واحدة. فما زالت هناك تحديات تتعلق بالتمويل والتشغيل والطلب التجاري ونقل التكنولوجيا، كما أن المشروعات المعلنة لا تتحول جميعها بالضرورة إلى منشآت تعمل بالفعل.
ومع ذلك، فإن حجم الاستثمارات والقدرة على تنفيذ المصانع يمنحان الصين ميزة مهمة في مرحلة تتزايد فيها أهمية خفض الانبعاثات داخل الصناعات الثقيلة.
ومن المنتظر أن تتجه المنافسة خلال السنوات المقبلة إلى توفير الكهرباء منخفضة التكلفة، وتأمين المواد الخام، وتطوير تقنيات الإنتاج، وتوسيع الأسواق التي تستطيع استيعاب المنتجات الجديدة. وبذلك يصبح سباق الصناعة النظيفة جزءًا من التنافس على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي، وليس مجرد ملف بيئي.



