توعية قانونية مجانية · استشارات مع محامين متخصصين 01151760099واتسابيوتيوب

إعاقة فكرية

إيمان رمضان 31 أكتوبر 2026 قراءة ٥ دقيقة
إعاقة فكرية

 

قليلون منا من يناقشون ويجادلون بغية الوصول إلى الحقائق؛ فالأغلبية تدخل النقاش لإثبات صحة آرائها التي تؤمن بها وتعتنقها، وتكون على أهبة الاستعداد للدفاع عنها، حتى ولو كانت تفتقر إلى المنطق ولا تستند إلى أساس علمي سليم.

كل منا لا يخطئ أبداً، توصل إلى ما لم يتوصل إليه أحد من قبل، دون قراءة أو ثقافة أو اجتهاد، وإنما اعتماداً على العفوية وما حصّله من ثقافة عامة تخلو من التحليل العميق. وهذه آفة تنتشر بين كثير من المتعلمين، فضلاً عن قطاعات عريضة من الناس. إنها إعاقة فكرية تقوم على رؤية أحادية لا تعرف التنوع الثقافي، ولا تتسع للاطلاع على تجارب الآخرين وأفكارهم، حتى ينتهي بنا الأمر إلى ألا نؤمن إلا بأنفسنا، سواء في الفكر أو الدين.

والإنسان كثيراً ما يدقق في عيوب غيره، غافلاً عن عيوب نفسه. يتعجب من قصور الآخرين، ويتساءل كيف لا يرون ما يراه واضحاً وضوح الشمس، بينما يعجز عن رؤية نقائصه، أو الاعتراف بوجود عيوب تشبه تلك التي ينتقدها فيهم. وهكذا يتعجب كل إنسان من غفلة الآخرين، ولا يدرك أن الآخرين قد يتعجبون من غفلته هو أيضاً.

ومصدر ذلك كله قلة الاطلاع، وضعف الاهتمام بمداخل النفوس وعللها، وهروب الإنسان من مواجهة أوجه قصوره. فتظل عيوبه قائمة ما دام عاجزاً عن إدراكها أو متردداً في الاعتراف بها. وكيف له أن يصلح خللاً لا يراه، أو يتخلص من طبع سيئ لا يعترف بوجوده؟ إن معرفة النفس هي الخطوة الأولى نحو تهذيبها والتخفيف من عيوبها، أو على الأقل الحد من آثارها.

ومن أبرز صور هذا التناقض أن كثيراً من الناس يدافعون عن حقوقهم بكل قوة، ويقيمون الدنيا إذا تأخر أحد في أداء حق لهم، لكنهم حين يكون الحق عليهم يبحثون عن المبررات التي تتيح لهم المماطلة أو الامتناع عن أدائه. هنا تتدخل المصالح والقرابة والمودة، فتسمع منهم أحاديث المدح والتسامح حين يكون الحق لغيرهم، أما إذا تعلق الأمر بحقوقهم، انقلبوا إلى خصوم لا يعرفون ليناً ولا رحمة، كأنهم أسود جائعة توشك أن تنقض على فريستها.

يتناسون ما قالوه بالأمس حين كان الحق لغيرهم، وينكرون على الآخرين ما كانوا يعدّونه فضيلة حين يصب في مصلحتهم. لا يعرفون للعدالة وزناً ثابتاً، وإنما تحكمهم الأنانية والأثرة، ولا ولاء لهم إلا لمصالحهم. يبذل الواحد منهم كل ما يستطيع كيلا يخرج جنيهاً من محفظته، لكنه يقاتل من أجل استرداد مليم واحد من حقه.

وهكذا تصبح المبادئ شعارات تُرفع حين تخدم أصحابها، وتُلقى جانباً حين تتعارض مع مصالحهم. فلا الحق عندهم حق لذاته، ولا العدل قيمة ثابتة، وإنما يتغير كل شيء بتغير موقع الإنسان من المصلحة؛ فإن كان مستفيداً تشبث بمبادئه، وإن كان مطالباً بأداء حق لغيره، بحث عن ألف حجة للتنصل منه.

وكثيراً ما يبرر الإنسان لنفسه الحماقات التي يرتكبها، بينما يقف أمام الآخرين متشدقاً بالنزاهة، صارخاً بأن يده لا تمتد إلى عمل مشين. وكأنه وُلد وفي فمه حديث النزاهة، يعلم الناس معناها وكيفية تطبيقها، ويروي لهم من أمجادها المتمثلة في شخصه ما يملأ صفحات وصفحات.

لكن ما إن يوضع على المحك حتى يكشف عن حقيقة ما يدعيه. ومع ذلك، لا يترك مسبحته؛ فهي العلامة التي يتشبث بها ليبرهن على تقواه ونزاهته. حتى لو كذب وأكل المال الحرام، يظل مطمئناً ما دامت يده لم تفارقها، وكأنها غطاء يستتر وراءه المتظاهرون بالالتزام، أو بطاقة يلوحون بها أمام الله، طالبين دخول الجنة من غير أن يُسألوا عن شيء آخر.

وكان وجه المعلم بيومي، في رصيف نمرة خمسة، يتراءى لي في كل مكان. ومع أن بعضهم أشد حرصاً على ألا يتركوا مسابحهم في مسرح الجريمة، فإنهم أول من يتحركون نحو المسجد عند صلاة الظهر، هاتفين: إلا صلاتي ما أخليها! يحملون في صدورهم قيحاً تفوح منه رائحة العفن، ثم يقفون بين يدي الله، يغسلون أجسادهم، ويرسمون على وجوههم سمات التدين والوقار، أما القلوب فتبقى على حالها؛ لم تتطهر قط.

إنه زمن، ككل الأزمنة، يحمل كثيراً من المتناقضات، سواء على مستوى الفرد أو الجموع بأكملها. فقد تجد رجلاً يتاجر في الممنوعات، لكنه لا يترك فرضاً من صلاته. يأكل المال الحرام، ويكذب، وينم، ويطلق لنفسه العنان في النظر والفجور، ثم يحرص على إطلاق لحيته، وترتيل الآيات، واتباع السنن، وأداء الشعائر على أكمل وجه، حتى لتظن الخشوع والطاعة باديين على وجهه.

ولا يكاد يمر موقف إلا ويثير فيك الدهشة من تناقض أفعال هؤلاء. تبتسم الوجوه، وتضمر القلوب الحقد والعداوة. يظن كل واحد منهم أنه النقي الطاهر الذي وُلد بقلب لا يعرف الضغائن، وأن الشر لا يسكن إلا نفوس الآخرين. يحسن الظن بنفسه، بينما يسيء الظن بغيره، ويتهمه في أخلاقه وعقله وضميره.

إنه ميدان واسع تتجلى فيه الوجوه بأقنعتها وأزيائها التنكرية؛ ترى الناس على غير حقيقتهم، يبدون بشراً، بينما تختبئ شراستهم خلف الوجوه الباسمة. إنه سوق كبير تُعرض فيه النفوس بمختلف أنواعها وأصنافها، وتعلو فيه لغة المصالح، فلكل شيء سعر وثمن، وتتفاوت القيم بين الغث والثمين، وبين المرتفع والرخيص.

إنه ميدان الأقنعة البشرية، لكنه أقرب إلى الغابة؛ فيها الشرس والأقل شراسة، وتحكمها قواعد لا تختلف كثيراً عن قواعد الافتراس، حيث يتفاوت الفتك كما تتفاوت أحجام الأنياب، ويصبح السعي إلى البقاء مبرراً للصراع مهما كلف الأمر.

لعل المشكلة الأعمق ليست في وجود التناقض وحده، بل في عجز الإنسان عن رؤيته في نفسه، وفي قدرته على التعايش معه من غير أن يشعر بالخجل أو الذنب. فالنفاق لا يبدأ دائماً بكذبة كبيرة، وإنما قد يبدأ بتبرير صغير، ثم يتسع حتى يصبح طريقة في التفكير والحياة. وحين يفقد الإنسان القدرة على محاسبة نفسه، تتحول المبادئ إلى أقنعة، ويصبح الحق تابعاً للمصلحة، ويغدو الصدق شجاعة نطالب بها الآخرين، بينما نعفى أنفسنا من مشقتها.

عندك موضوع شبه ده؟احجز استشارة مع محامٍ متخصص، حضوري أو أونلاين.
احجز استشارة ←