القضاء الأرجنتيني يغلق التحقيق الجنائي مع خافيير ميلي في قضية العملة الرقمية «ليبرا».. ما أسباب القرار؟
أصدر القضاء الأرجنتيني قرارًا بإنهاء التحقيق الجنائي مع الرئيس خافيير ميلي وشقيقته كارينا ميلي في القضية المرتبطة بالعملة الرقمية «ليبرا»، بعد مراجعة الادعاءات المتعلقة بدور الرئيس في الترويج للعملة التي شهدت ارتفاعًا سريعًا في قيمتها قبل أن تنهار. وأعلن القرار القاضي الفيدرالي مارسيلو مارتينيز دي جورجي، الجمعة 23 أكتوبر 2026، وفق سجلات قضائية نقلتها وسائل إعلام دولية، قبل أن يحظى الخبر باهتمام واسع السبت.
وتعود القضية إلى فبراير 2025، عندما نشر ميلي رسالة عبر منصة «إكس» أشاد فيها بعملة رقمية غير معروفة على نطاق واسع، تحمل اسم «$LIBRA». وأعقب المنشور ارتفاع سريع في سعر العملة، قبل أن تتراجع قيمتها بصورة حادة، ما أثار شكاوى وأسئلة بشأن احتمال تعرض المستثمرين للخداع.
وخلص القاضي، بحسب ما نقلته التقارير، إلى أن الوقائع التي جرى التحقيق فيها لا تشكل جريمة جنائية، وأن ارتفاع سعر العملة وانهياره والخسائر التي تكبدها بعض المستثمرين لا تكفي وحدها لإثبات الاحتيال. ولا يعني القرار أن جميع الأسئلة الاقتصادية أو السياسية المتعلقة بالقضية قد حُسمت، لكنه ينهي التحقيق الجنائي الذي تناول دور ميلي وشقيقته والجهات المرتبطة بإطلاق العملة، وفق المعلومات المنشورة.
كيف بدأت قضية العملة الرقمية «ليبرا»؟
بدأت الأزمة عندما نشر الرئيس الأرجنتيني في فبراير 2025 منشورًا يروج للعملة الرقمية «ليبرا»، ما أدى إلى زيادة الاهتمام بها وارتفاع سعرها لفترة قصيرة. وبعد ذلك، تراجعت قيمتها بصورة حادة، وتكبد بعض المستثمرين خسائر مالية، الأمر الذي دفع إلى تقديم شكاوى وفتح تحقيق بشأن احتمال وجود احتيال في إطلاق العملة أو الترويج لها.
وتتسم العملات الرقمية عالية المضاربة بتقلبات كبيرة في الأسعار، وقد تتأثر قيمتها بالإعلانات العامة وحجم التداول والسيولة وتوقعات المستثمرين. لكن التقلب الحاد وحده لا يثبت وقوع جريمة؛ إذ يتطلب إثبات الاحتيال عادة وجود أدلة على التضليل أو الخداع أو غير ذلك من الأفعال التي يجرمها القانون المعمول به.
وأصبح دور ميلي موضع تساؤل بسبب موقعه الرئاسي وتأثير منشوراته في الرأي العام. فالإشارة إلى أصل رقمي من جانب شخصية سياسية بارزة قد تمنحه اهتمامًا واسعًا لا يحصل عليه عادة، وقد يفسر بعض المتابعين ذلك على أنه تأييد له. ومع ذلك، فإن تحديد المسؤولية الجنائية يتطلب إثبات عناصر الجريمة وفق القانون، وليس الاكتفاء بأن منشورًا عامًا ساهم في جذب الانتباه إلى العملة.
لماذا أغلق القاضي التحقيق؟
بحسب التقارير التي تناولت القرار، رأى القاضي مارسيلو مارتينيز دي جورجي أن الوقائع المعروضة لا تثبت جريمة احتيال، وأن صعود سعر العملة ثم انهيارها والخسائر التي نتجت عن ذلك لا تكفي وحدها لتأسيس اتهام جنائي.
وكان التحقيق قد تناول دور ميلي وشقيقته كارينا، إلى جانب رجل الأعمال الأمريكي هايدن ديفيس، الذي وصف نفسه بأنه مستشار لإطلاق العملة. وأشارت التقارير إلى أن ديفيس أقر باحتفاظه بمبلغ يقارب 100 مليون دولار بعد انهيار العملة، لكنه نفى ارتكاب أي مخالفة.
ويجب التمييز بين ما يرد في سجلات القضية وما تقوله الأطراف عن نفسها؛ فالإقرار بحيازة أموال لا يثبت وحده أن تلك الأموال ناتجة عن نشاط غير قانوني، كما أن نفي المخالفات لا يغني عن تقييم الأدلة. ويظل القرار القضائي هو المرجع في تحديد نتيجة التحقيق الذي شمله.
كما أن إغلاق التحقيق الجنائي لا يعني بالضرورة أن كل الخسائر التي تكبدها المستثمرون قد عُوضت، أو أن جميع المسائل التنظيمية والمدنية المحتملة قد حُسمت. فالمسؤولية الجنائية تختلف عن المطالبات المدنية أو النزاعات المتعلقة بالاستثمارات، ويعتمد مصير أي مسار إضافي على الإجراءات القانونية والوقائع التي يمكن إثباتها.
ما تأثير القضية على صورة الرئيس الأرجنتيني؟
أثارت القضية نقاشًا سياسيًا بشأن استخدام الشخصيات العامة لمنصاتها الرقمية للتعليق على الاستثمارات والأصول المالية. فالرئيس أو المسؤول الحكومي يتمتع عادة بقدرة كبيرة على الوصول إلى الجمهور، وقد تؤثر كلماته في قرارات الأفراد حتى عندما لا تكون تصريحاته نصيحة استثمارية رسمية.
وتزداد حساسية المسألة في سوق العملات الرقمية، حيث يمكن أن تتغير الأسعار بسرعة، وتكون بعض المشروعات حديثة النشأة أو محدودة السيولة. وقد يدفع منشور صادر عن شخصية معروفة المستثمرين إلى شراء أصل معين من دون فهم المخاطر أو التحقق من تفاصيل المشروع.
لكن تحديد المسؤولية السياسية يختلف عن تحديد المسؤولية الجنائية. فقد يتعرض مسؤول لانتقادات بسبب تقديراته أو أسلوب تواصله، حتى إذا لم يثبت ارتكابه جريمة. وفي المقابل، لا ينبغي تحويل الانتقادات السياسية إلى أحكام جنائية من دون أدلة وإجراءات قانونية.
وقد استخدم مكتب الرئاسة الأرجنتيني القرار للتأكيد على أن التحقيق لم يثبت ارتكاب ميلي جريمة، ووجه انتقادات إلى من رأى أنهم استغلوا القضية سياسيًا. وتبقى هذه التصريحات جزءًا من رد الفعل السياسي على القرار، وليست بديلًا عن قراءة حيثيات الحكم القضائي.
علاقة ميلي بترامب والاقتصاد الأرجنتيني
يعد ميلي من أبرز الحلفاء السياسيين للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويشترك معه في بعض المواقف الاقتصادية والسياسية، خصوصًا ما يتعلق بتقليص دور الدولة وتغيير السياسات التقليدية. وقد اكتسبت هذه العلاقة أهمية في النقاشات بشأن توجهات الأرجنتين الخارجية والاقتصادية.
وفي الداخل، نفذت حكومة ميلي منذ توليه الرئاسة عام 2023 إجراءات تقشفية شملت خفض الإنفاق العام وإلغاء أو دمج بعض المؤسسات وتقليص الدعم الحكومي. وتقول الحكومة إن هذه السياسات تستهدف خفض التضخم وتحسين الاستقرار المالي، بينما يركز منتقدون على آثارها الاجتماعية وتكاليفها على الأسر والموظفين.
ولا ترتبط نتائج هذه السياسات مباشرة بقرار إغلاق قضية «ليبرا»، لكن التوقيت يجعل القضية جزءًا من المشهد السياسي الأوسع الذي يحيط بالرئيس. فالقضايا التي تمس النزاهة والثقة العامة قد تؤثر في النقاش السياسي حتى عندما تنتهي قانونيًا من دون إدانة.
كما أن تقييم الأداء الاقتصادي يحتاج إلى النظر في مجموعة من المؤشرات، من بينها التضخم والنمو والبطالة والدخل الحقيقي ومستوى الفقر، بدلًا من الاعتماد على مؤشر واحد أو تصريح سياسي منفرد.
ماذا يعني القرار للمستثمرين في العملات الرقمية؟
يؤكد القرار أهمية التمييز بين الخسائر الناتجة عن تقلبات السوق والخسائر المرتبطة باحتيال مثبت. فشراء أصل رقمي ينطوي على مخاطر مالية قد تكون كبيرة، خصوصًا عندما يعتمد سعره على المضاربة أو الترويج عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ولا يعني إغلاق القضية أن كل عملة رقمية تحظى بتأييد شخصية عامة آمنة للاستثمار، كما لا يعني أن الخسائر المالية غير قابلة للمراجعة في جميع الظروف. فكل مشروع يحتاج إلى تقييم مستقل يشمل طبيعة الجهة المطورة، وشفافية المعلومات، والسيولة، والحقوق القانونية للمستثمرين.
ومن المهم للمستثمرين عدم اتخاذ قرارات مالية اعتمادًا على منشورات المشاهير أو المسؤولين وحدها، والتحقق من طبيعة الأصل ومخاطره قبل شراء أي عملة. كما ينبغي فهم أن بعض العملات الرقمية قد تتعرض لانهيارات سريعة، وأن استعادة الأموال بعد فقدانها قد تكون صعبة أو غير ممكنة.
هل انتهت القضية نهائيًا؟
المؤكد وفق التقارير المنشورة هو صدور قرار بإنهاء التحقيق الجنائي مع ميلي وشقيقته في القضية، بعد أن خلص القاضي إلى عدم كفاية الوقائع لإثبات جريمة احتيال. أما ما إذا كانت هناك مسارات قانونية أخرى أو طعون محتملة، فيعتمد على الإجراءات المتاحة والقرارات التي قد تصدر لاحقًا.
ويظل من الضروري التمييز بين إنهاء التحقيق وعدم ثبوت الجريمة في هذا المسار، وبين القول إن كل جوانب القضية الاقتصادية أو السياسية قد حُسمت بصورة نهائية. فالتفاصيل القانونية الدقيقة تتوقف على نص القرار الكامل وأي إجراءات لاحقة.
وتعيد القضية طرح سؤال أوسع بشأن مسؤولية الشخصيات العامة عندما تروج لأصول مالية أمام جمهور واسع. فالتأثير الإعلامي قد يكون كبيرًا، لكن المسؤولية القانونية يجب أن تحدد وفق الأدلة والقوانين، بما يضمن حماية المستثمرين من الاحتيال من دون افتراض ارتكاب جريمة لمجرد وقوع خسائر.



