مع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، ظهرت أساليب جديدة لارتكاب جرائم الاحتيال الإلكتروني، إذ أصبح بإمكان المحتالين تقليد أصوات الأشخاص، وإنشاء صور ومقاطع فيديو مزيفة، وإرسال رسائل إلكترونية تبدو حقيقية بهدف الاستيلاء على الأموال أو الحصول على البيانات الشخصية والمصرفية.
وأمام هذه التطورات، يبرز التساؤل حول موقف القانون المصري من جرائم الاحتيال باستخدام الذكاء الاصطناعي، والعقوبات التي يمكن توقيعها على مرتكبيها، فضلًا عن الإجراءات التي ينبغي اتخاذها لحماية الأموال والبيانات الشخصية.
أولًا: ما صور الاحتيال باستخدام الذكاء الاصطناعي؟
تتعدد صور الاحتيال الإلكتروني الذي يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومن أبرزها:
- استنساخ الأصوات: تقليد صوت أحد أفراد الأسرة أو المسؤولين في العمل، وطلب تحويل أموال بصورة عاجلة.
- التزييف العميق: إنشاء مقاطع صوتية أو مرئية مزيفة باستخدام تقنيات التزييف العميق، بهدف انتحال شخصية شخص آخر أو تضليل الضحية.
- الرسائل الاحتيالية: إنشاء رسائل إلكترونية أو نصية تبدو صادرة عن البنوك أو المؤسسات الرسمية، بهدف سرقة كلمات المرور والبيانات المصرفية.
- انتحال الهوية: استخدام الصور والبيانات الشخصية لإنشاء حسابات مزيفة واستغلالها في خداع الآخرين.
- الاحتيال الاستثماري: الترويج لمشروعات استثمارية وهمية باستخدام صور ومقاطع فيديو أو محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي لإقناع الضحايا بتحويل أموالهم.
ولا يعني استخدام الذكاء الاصطناعي في حد ذاته ارتكاب جريمة، وإنما تتحدد المسؤولية القانونية وفقًا لطبيعة الفعل المرتكب، ومدى توافر أركان الجريمة، والضرر الناتج عنه.
ثانيًا: ماذا يقول القانون المصري عن الاحتيال بالذكاء الاصطناعي؟
لا يتوقف التجريم في القانون المصري على الوسيلة المستخدمة في ارتكاب الفعل، بل قد تنطبق النصوص القانونية القائمة على جرائم الاحتيال التي تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي، متى توافرت أركان الجريمة وشروط تطبيق النص القانوني.
1. قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات
ينظم القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات عددًا من الأفعال غير المشروعة المرتبطة باستخدام وسائل وتقنيات المعلومات.
وقد تنطبق أحكامه، بحسب ظروف الواقعة، على أفعال مثل الدخول غير المشروع إلى الحسابات أو الأنظمة المعلوماتية، والاعتداء على البيانات، واستخدام وسائل تقنية المعلومات في ارتكاب أفعال مجرمة قانونًا.
فإذا استخدم المحتال تقنيات الذكاء الاصطناعي للاستيلاء على حساب إلكتروني أو الوصول إلى بيانات مصرفية بطرق غير مشروعة، فقد تنشأ مسؤوليته الجنائية وفقًا للنصوص المنطبقة على الواقعة.
2. قانون العقوبات وجريمة النصب
يتضمن قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 أحكامًا تجرّم النصب، وفقًا للشروط والأركان التي يحددها القانون.
فإذا استخدم شخص صوتًا مستنسخًا أو مقطع فيديو مزيفًا أو هوية منتحلة لإيقاع المجني عليه في الغلط والاستيلاء على أمواله، فقد يشكل ذلك جريمة نصب متى توافرت أركانها القانونية.
ولا يكفي مجرد استخدام صورة أو صوت مزيف لإثبات جريمة النصب؛ إذ يتعين النظر إلى طبيعة السلوك، والوسائل الاحتيالية المستخدمة، ومدى توافر القصد الجنائي، وكيفية الاستيلاء على المال.
3. الحماية القانونية للبيانات الشخصية
ينظم القانون رقم 151 لسنة 2020 بشأن حماية البيانات الشخصية عمليات جمع البيانات الشخصية ومعالجتها والاحتفاظ بها واستخدامها، في نطاق تطبيقه.
وقد تترتب مسؤولية قانونية عند معالجة البيانات الشخصية أو استخدامها بالمخالفة لأحكام القانون، بحسب طبيعة الفعل والظروف المحيطة به.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة عندما يستغل المحتالون صور الأشخاص أو أصواتهم أو بياناتهم الشخصية في انتحال الهوية أو تنفيذ عمليات احتيالية.
ثالثًا: هل يعاقب القانون على استخدام الذكاء الاصطناعي في تقليد الأصوات والصور؟
يتوقف تحديد العقوبة على الفعل المرتكب والنص القانوني المنطبق عليه.
فإذا استُخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقليد صوت شخص أو إنشاء مقطع مرئي مزيف بقصد الاستيلاء على الأموال، فقد تنطبق أحكام النصب أو غيرها من الجرائم ذات الصلة، وفقًا لظروف الواقعة.
أما إذا اقترن ذلك باختراق حسابات أو الاستيلاء على بيانات أو نشر محتوى ينتهك حقوقًا يحميها القانون، فقد تنشأ جرائم أخرى تستوجب بحثًا قانونيًا مستقلًا.
لذلك، لا توجد عقوبة واحدة يمكن تطبيقها على جميع صور الاحتيال بالذكاء الاصطناعي؛ إذ تختلف العقوبة بحسب وصف الجريمة، والنص القانوني المنطبق، والظروف المشددة أو المخففة التي يعتد بها القانون.
رابعًا: كيف تحمي أموالك وبياناتك من الاحتيال بالذكاء الاصطناعي؟
يمكن تقليل مخاطر التعرض للاحتيال الإلكتروني باتباع عدد من الإجراءات الوقائية، من أبرزها:
- التحقق من هوية المتصل: إذا تلقيت مكالمة من شخص يطلب تحويل أموال بصورة عاجلة، فلا تعتمد على الصوت وحده، حتى لو بدا مطابقًا لصوت شخص تعرفه. اتصل به على رقم محفوظ لديك للتحقق من الطلب.
- عدم مشاركة البيانات المصرفية: لا تفصح عن كلمات المرور أو أرقام التعريف الشخصية أو رموز التحقق التي تصلك عبر الرسائل، ولا تدخل بياناتك المصرفية من خلال روابط مجهولة.
- تأمين الحسابات الإلكترونية: استخدم كلمات مرور قوية ومختلفة، وفعّل المصادقة متعددة العوامل كلما أمكن.
- التحقق من الروابط والرسائل: لا تضغط على الروابط المشبوهة، وتواصل مع البنك أو المؤسسة المعنية عبر قنوات الاتصال الرسمية عند الشك في أي رسالة.
- التريث قبل تحويل الأموال: لا تستجب للضغوط التي تستهدف دفعك إلى اتخاذ قرار مالي سريع، واطلب التحقق من هوية المستفيد وسبب التحويل.
- تقليل نشر البيانات الشخصية: تجنب نشر معلومات حساسة أو تفاصيل مالية قد يستغلها المحتالون في بناء رسائل موجهة أو انتحال هويتك.
خامسًا: ماذا تفعل إذا تعرضت للاحتيال الإلكتروني؟
إذا اكتشفت أنك وقعت ضحية لعملية احتيال باستخدام الذكاء الاصطناعي، فمن المهم التحرك سريعًا لحماية أموالك وبياناتك، وذلك من خلال الخطوات التالية:
- التواصل فورًا مع البنك أو مقدم خدمة الدفع لطلب إيقاف المعاملة إن أمكن، وتأمين الحسابات المتضررة.
- تغيير كلمات المرور الخاصة بالحسابات التي يحتمل تعرضها للاختراق، وتسجيل الخروج من الجلسات غير المعروفة.
- الاحتفاظ بالأدلة الرقمية، بما في ذلك الرسائل والمحادثات وأرقام الهواتف وروابط الحسابات وإيصالات التحويل.
- الإبلاغ عن الواقعة لدى الجهات المختصة بجرائم تقنية المعلومات، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتحرير بلاغ رسمي.
- تجنب حذف المحادثات أو الملفات التي قد تساعد في إثبات الواقعة، وعدم إرسال مزيد من الأموال إلى المحتالين بحجة استرداد المبلغ.



