كشف تقرير لوكالة «رويترز» أن توماس باراك، المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق وسوريا والسفير الأميركي لدى تركيا، مارس ضغوطًا لإشراك شركة مرتبطة بشريكه التجاري زياد غندور في مشروع لإعادة تأهيل خط أنابيب النفط الذي يربط العراق بالساحل السوري.
وبحسب مصادر مطلعة، جاءت هذه التحركات خلال اتصالات أجراها باراك مع مسؤولين عراقيين وسوريين، في وقت تسعى فيه بغداد ودمشق إلى إحياء خط الأنابيب الاستراتيجي وتوفير مسار بديل لنقل النفط بعيدًا عن مضيق هرمز.
وفي يوليو/تموز، وقّع العراق وسوريا مذكرات تفاهم مع تحالف يضم شركة «تي آي كابيتال» الاستثمارية، وشركة شيفرون الأميركية، وشركة «يو سي سي» القابضة القطرية، إلى جانب شركة مرتبطة بغندور، لإجراء دراسات فنية ومالية تمهيدًا لإعادة تأهيل المشروع.
علاقة تجارية تثير تساؤلات بشأن تضارب المصالح
ترتبط علاقة باراك بغندور بمصالح تجارية ممتدة لسنوات، إذ تعاون الاثنان في مشاريع استثمارية منذ عام 2020 على الأقل.
وكان باراك قد كشف، خلال إجراءات تثبيت تعيينه في منصبه عام 2025، عن مصلحة مالية في مشروع عقاري قرب سان فرانسيسكو تديره شركة «تي آي كابيتال»، التي يرأسها غندور، مع إشارته إلى اعتزامه الاحتفاظ بهذه المصلحة وفقًا للسجلات المتاحة.
وفي 16 يونيو/حزيران، أصدر باراك ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بيانًا مشتركًا رحّب بقرار العراق المضي قدمًا في مذكرة تفاهم مع «تي آي كابيتال» بشأن إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك–بانياس، دون الإشارة إلى شركتي شيفرون و«يو سي سي» في البيان المتعلق بالمشروع.
كما أفاد مصدر مطلع على محادثات مباشرة بأن فكرة إشراك الشركة في المشروع الإقليمي طُرحت من جانب باراك خلال مؤتمر ميلكن العالمي في لوس أنجلوس خلال مايو/أيار.
هل خالف باراك قواعد الأخلاقيات الحكومية؟
أثار دور باراك في الترويج للشركة تساؤلات بشأن مدى توافق تحركاته مع القواعد المنظمة لسلوك المسؤولين الأميركيين، التي تهدف إلى منع استغلال المناصب الحكومية لتحقيق مصالح شخصية أو تجارية.
ونقلت «رويترز» عن خبراء في الأخلاقيات الحكومية أن الترويج لمصالح شريك تجاري قد يثير مخاوف تتعلق بالحياد وتضارب المصالح، حتى في غياب دليل على تحقيق المسؤول مكاسب مالية مباشرة من المشروع.
وأوضح خبراء أن القواعد الإدارية الخاصة بالحياد قد تنطبق على بعض الحالات التي تتداخل فيها العلاقات الشخصية أو التجارية مع المسؤوليات الرسمية، فيما قد تثير الاستفادة الخاصة لأشخاص مرتبطين بالمسؤول تساؤلات إضافية بشأن استخدام المنصب الحكومي.
ووفقًا للتقرير، لم يُعثر على دليل يثبت أن باراك سيحقق أرباحًا من خط الأنابيب، كما أشار محاميان متخصصان في الأخلاقيات إلى أن العلاقة التجارية وحدها لا تثبت وقوع مخالفة جنائية ما لم تتوافر عناصر إضافية، من بينها وجود مصلحة مالية مباشرة ذات صلة.
غياب إفصاح خاص بالمشروع يثير مزيدًا من التساؤلات
أفادت الوكالة بأنها لم تعثر، ضمن طلب السجلات الذي قدمته، على إفصاح خاص بتضارب المصالح يتعلق بعلاقة باراك بالشركة خلال مشاركتها في مشروع خط الأنابيب.
وكان باراك قد وقّع اتفاقًا للأخلاقيات قبل إجراءات تثبيت تعيينه، تعهد بموجبه بالتنحي عن المسائل التي تؤثر مباشرة في المصالح المالية للمشروع العقاري، ما لم يحصل على الإفصاح أو الموافقة المطلوبة وفقًا للقواعد المعمول بها.
في المقابل، أكد متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية أن باراك لا يمتلك أي دور أو ارتباط أو مصلحة مالية في مشروع خط أنابيب كركوك–بانياس، مع إقراره بوجود علاقة مالية مرتبطة بالمشروع العقاري الذي تديره «تي آي كابيتال».
وأضاف المتحدث أن مواقف باراك العلنية بشأن خط الأنابيب تأتي في إطار سياسة أميركية تهدف إلى تعزيز التكامل الإقليمي في قطاع الطاقة، مؤكدًا أن السفير معتمد بوصفه ممتثلًا لقواعد الأخلاقيات الحكومية.
مشروع كركوك–بانياس يعود إلى الواجهة
يمثل خط أنابيب كركوك–بانياس أحد مشاريع نقل النفط التاريخية في المنطقة، إذ كان ينقل الخام العراقي إلى الساحل السوري على البحر المتوسط، قبل أن يتعرض لتوقفات متكررة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، ويتوقف عن العمل منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
وعادت خطط إحيائه إلى الواجهة مع تصاعد التوترات الإقليمية والقيود التي أثرت في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ما عزز الاهتمام بإنشاء مسارات بديلة لنقل النفط وتقليل المخاطر المرتبطة بطرق الشحن التقليدية.
ويُنظر إلى المشروع باعتباره فرصة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين العراق وسوريا، وفتح مسارات إضافية لتصدير النفط إلى الأسواق الخارجية.
خلفية العلاقة بين باراك وغندور
تعود الشراكة التجارية بين باراك وغندور إلى عام 2020 على الأقل، عندما أسسا شركة استحواذ ذات غرض خاص بقيمة 250 مليون دولار، قبل حلها لاحقًا.
وكان باراك قد اعتُقل عام 2021 على خلفية اتهامات تتعلق بالعمل وكيلًا غير مسجل لصالح الإمارات العربية المتحدة، لكنه بُرّئ عام 2022.
ونقل التقرير عن شخص مقرب من باراك قوله إن السفير يرى في غندور شريكًا قادرًا على المساهمة في تنفيذ استراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإقليمية، الهادفة إلى تعزيز التقارب بين العراق وسوريا والولايات المتحدة.
وفي ظل هذه المعطيات، يظل الجدل الأساسي مرتبطًا بالفصل بين المصالح التجارية الخاصة والمسؤوليات الدبلوماسية، فيما لم يقدم التقرير دليلًا على أن باراك حقق أرباحًا من مشروع خط الأنابيب أو ارتكب مخالفة مثبتة بشأنه.



