تربة تنكمش وفواتير تتضخم.. منازل بريطانيا تواجه مخاطر التغير المناخي

post-title
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي

 

باتت موجات الحر والجفاف المتكررة تُخلف ندوبًا عميقة في جدران المنازل البريطانية وأساساتها، وسط تحذيرات متصاعدة من أن الأسوأ لم يأتِ بعد.

بحسب صحيفة ليزيكو الفرنسية تواجه المملكة المتحدة أزمة صامتة تتسع رقعتها عامًا بعد عام، إذ تتحول التربة تحت المنازل إلى مصدر تهديد حقيقي للبنية العمرانية، فيما تتصاعد فواتير التأمين وتتراجع ثقة المستثمرين في سوق العقارات.

جدران تتشقق

ما يبدو للوهلة الأولى مجرد باب يصعب فتحه أو شق صغير في الجدار، قد يكون مؤشرًا على خلل أعمق في أساسات المبنى، فبحسب ما رصدته ليزيكو استنادًا إلى بيانات رابطة شركات التأمين البريطانية (ABI)، تحول هذا الخطر الصامت إلى أزمة مُكلفة، إذ بلغت التعويضات المرتبطة بحركة التربة وتضرر الأساسات نحو 297 مليون جنيه إسترليني عام 2025، بارتفاع يناهز 90% مقارنةً بأربع سنوات فقط.

وتوضح الصحيفة الفرنسية أن الأشد إيلامًا أن الربع الثاني من العام سجل مستوىً قياسيًا في متوسط التعويض لكل أسرة، إذ وصل إلى 20 ألف جنيه إسترليني، أي بزيادة 15% عن الفترة ذاتها من عام 2025، في مؤشر واضح على أن أضرار حركة التربة باتت أكثر عمقًا وأعلى تكلفةً من أي وقت مضى.

العاصمة فوق أرض هشة

لا تتوزع هذه الأزمة بالتساوي على كامل الخريطة البريطانية، إذ تشير صحيفة ليزيكو إلى أن جنوب شرق إنجلترا يتصدر المناطق الأكثر عرضةً، ولا سيما لندن وضواحيها المبنية في جزء كبير منها فوق “الطين اللندني”.

هذه التربة الطينية تنكمش حين يشتد الجفاف وتتمدد حين تعود الأمطار، فتمارس ضغطًا متكررًا ومتبدلًا على الأساسات في كل موسم، مما يتسبب في تشققات الجدران، وتعثر الأبواب، وفي الحالات الأكثر خطورة، في انهيار أجزاء من المباني كليًا.

وتصف تشيري تشان، الشريكة في شركة ديلويت، هذا الواقع بأنه “تحدٍ رئيسي أمام شركات التأمين العقاري البريطانية”، في إشارة إلى عمق المشكلة وتشعب تداعياتها.

ضغوط على شركات التأمين

تقف شركات التأمين اليوم أمام ضغط مزدوج لا سابق له، بحسب ما تُورده ليزيكو نقلًا عن تحليلات ديلويت، فمن جهة ترتفع وتيرة الحوادث مع تكرار موجات الجفاف، ومن جهة أخرى تتضخم تكلفة كل حادثة بمفردها، لأن إصلاح الأساسات والهياكل الإنشائية ينطوي على أعمال ثقيلة ومُكلفة لا يمكن الاستهانة بها.

ويتوقع ديلويت أن يُسجل قطاع تأمين المساكن خسائر في عام 2026، مما قد يدفع الشركات إلى رفع أسعارها، ومراجعة نماذج تقييم المخاطر، بل وإعادة النظر جذريًا في المناطق والعقارات التي تقبل الاستمرار في تغطيتها.

ملايين المنازل على المحك

لا تقف التداعيات عند حدود فاتورة التأمين، إذ يرسم المسح الجيولوجي البريطاني (BGS) صورة أشد قتامةً على المدى البعيد، فوفق تقديراته التي أوردتها ليزيكو، قد يصل عدد العقارات البريطانية المعرضة للخطر بحلول عام 2070 إلى 4.2 مليون منزل، أي ما يعادل 11% من إجمالي المساكن في البلاد، وذلك جراء دورات الجفاف وإعادة ترطيب التربة المتكررة.

ويُحذر BGS من أن تبعات هذا الخطر لن تطال قطاع التأمين وحده، بل ستمتد لتضغط على أسعار العقارات وتُضيف أعباءً مالية ضخمة على الدولة والأفراد لتثبيت الأراضي وصون المباني، في مشهد يُؤكد أن ما تشهده بريطانيا اليوم ليس ذروة الأزمة، بل ربما مجرد بدايتها.