في خضم تصاعد المواجهات في اليمن وسيطرة مليشيا “الحوثي” على طول الساحل الغربي للبلاد، يبرز التساؤل حول موضع إيران في المواجهة بعدما ظلت على مدار العقدين الماضيين الداعم الأبرز للجماعة، وصولًا لتبادل الممثلين الدبلوماسيين وتعيين حسن إيرلو سفيرًا في صنعاء في أكتوبر 2020 قبل إعلان وفاته في ديسمبر 2021، وتسليم على محمد رمضاني أوراق اعتماده سفيرًا لإيران لدى “الحوثيين” في أغسطس 2024.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي حدود الدعم الإيراني لمليشيا “الحوثي” في المواجهات الأخيرة بالساحل الغربي لليمن.

دعم ممتد

على الرغم من تنامي العلاقات بين عائلة المرجع الزيدي بدر الدين الحوثي، منذ عهد الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح، على صعيد التبادل الثقافي، فإن الدعم الإيراني لمليشيا “الحوثي” برز خلال نشاط الحركة المنظمة التي أسسها حسين بدر الدين الحوثي، التي انبثقت من “حركة الشباب المؤمن”، وصولًا إلى التعاون العلني مع قوة الانقلاب الحوثي منذ احتلال صنعاء في سبتمبر 2014، وصولًا لتبادل “المبعوثين الدبلوماسيين” والتعاون الكامل في إطار تقديم الخبرات الفنية والتدريبية والمساعدة العسكرية المتنوعة من خلال وحدة اليمن في الحرس الثوري بقيادة عبد الرضا شهلائي وعناصر “حزب الله” اللبناني. ويمكن الوقوف على أبرز أوجه الدعم العسكري الإيراني للحوثيين على النحو التالي:

(*) دعم عسكري ومعلومات استخباراتية: أثار تسيير رحلة جوية لخطوط ماهان الجوية الإيرانية إلى مطار صنعاء في يوليو 2026 تسلسل التصعيد المتواصل في اليمن، إذ استخدم “الحوثيون” مناسبة عزاء المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في المطالبة بدعم عسكري كبير من إيران استعدادًا لمواجهة مع السعودية، وفق ما ذكرته وكالة رويترز نقلًا عن أربعة مصادر من بينهم إيرانيين ووزير الإعلام اليمني. وشملت حزمة الدعم العسكرية الإيرانية ما بين 10 و21 عنصرًا في الحرس الثوري وصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى ضمن الرحلة التي كان من المخطط أن تهبط في مطار صنعاء 13 يوليو 2026، قبل أن تغير وجهتها إلى مطار الحديدة بعد إعلان الحكومة اليمنية قصف مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة.

وترافق مع تلك الحادثة تغير اتجاه الصراع بعد إعلان مليشيا “الحوثي” فرض حصار بحري على الملاحة السعودية في 20 يوليو 2026، في ظل وجود مستشاري وضباط الحرس الثوري.

(*) دعم دبلوماسي لقيادة المحور: يمثل إيفاد سفير ومفوض فوق العادة إلى العاصمة اليمنية التي تسيطر عليها مليشيا “الحوثي” خطوة نحو تطبيع الوضع الراهن في شمال اليمن وتعزيز دور سلطة الحوثيين كرئة بديلة لما يسمى بـ”محور المقاومة” بعد تراجع دور “حزب الله” جراء القصف الإسرائيلي المكثف، والتوغلات المستمرة في جنوب لبنان. ولطالما ظلت مليشيا “الحوثي” في المواجهات الإيرانية الأخيرة خيارًا احتياطيًا نادر اللجوء إليه في ظل أهمية اليمن في استراتيجية تطويق الخليج العربي من جهة، ونظرًا لحاجة طهران إلى إشراف ميداني واسع النطاق على تحركات المليشيا التي تشرف على أحد أهم ممرات الشحن الدولية من جهة أخرى، خشية وقوعها في حسابات خاطئة تعزز من خسارتها لأهم أوراق قوتها في القدرة على إيذاء الولايات المتحدة وأوروبا من خلال تهديد الملاحة، دون الحاجة لاستخدام تلك القدرة فعليًا تحت غطاء عقائدي جسّده شعار الجماعة “الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل”.

ويعد التلويح بإغلاق باب المندب قرارًا إيرانيًا صرفًا صدر عن قائد فيلق القدس إسماعيل قآني في 1 يونيو 2026، دفاعًا عن “حزب الله” ضمنيًا، رابطًا الإغلاق المحتمل بـ”وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان وقطاع غزة”، في خطوة لترسيخ قيادة المليشيا لأذرع إيران الإقليمية، وهو ما لم يحدث في ظل اضطرار طهران للرد عسكريًا على إسرائيل نظرًا لشمول وقف إطلاق النار في لبنان بمذكرة تفاهم إسلام آباد.

(*) استنساخ التكتيك العسكري: على الرغم من الطابع العقائدي للجماعة، فإنها اختارت التكيف مع البيئة المعادية في الإقليم عبر قدرتها على التهديد الدائم بعدد محدود من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة التي لا تتوقف، بالتزامن مع إشارات سياسية وعسكرية بوجود سقف للتصعيد يعتمد على وقف تبادل الضربات، وهو ما أوقف القصف الأمريكي على مليشيا الحوثي منذ مايو 2025، ووقف القصف الإسرائيلي على شمال اليمن 2026.

وفي ظل اتساع المواجهة بين إيران والولايات المتحدة خلال يونيو 2025 و28 فبراير 2026، لم يطلق الحوثيون النار على السفن الحربية والمنشآت المرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة منذ انتهاء القصف الأمريكي على الحوثيين في مايو 2025.

ويبدو التحول الأبرز في استنساخ سيناريو السيطرة الانتقائية على مضيق هرمز، وتطبيقه على مضيق باب المندب، عبر إعلان حصار بحري على السفن السعودية المارة عبر البحر الأحمر، قبل توسيع الهجمات باتجاه البنية التحتية للطاقة في المملكة مقابل إعلان سلامة الملاحة البحرية عبر مضيق باب المندب، من أجل تطويق أي توسع محتمل في الضغوط العسكرية على الجماعة وتعظيم الأثر الاقتصادي للضربات على الدول المستفيدة من التجارة في البحر الأحمر، قبل تحويل السيطرة الفعلية على الجزر الحاكمة لحركة الملاحة عبر المضيق إلى مورد اقتصادي على غرار مساعي طهران لإدارة الملاحة في هرمز.

وإجمالًا؛ يظل الارتباط العضوي لـ”الحوثيين” بإيران عامل جوهري في عودة اشتعال الأزمة باليمن، الذي برز في تحايل طهران على محاولات تجفيف دعمها العسكري للمليشيا عبر البحر وإرسال أسلحة وقادة بالحرس الثوري إلى اليمن عبر رحلات جوية إلى مناطق شمال اليمن الخاضعة لسيطرة مليشيا “الحوثي”.

ويشير تشابه التكتيكات والقرارات العسكرية إلى إشراف ميداني مباشر من الحرس الثوري على عمليات “الحوثيين” الكبرى وعدم وجود ارتكاز مستدام واسع النطاق على الأراضي اليمنية، ما يوفر قابلية الإنكار ويحجم ردود الفعل العربية والدولية إزاء التصعيد في اليمن، بالتوازي مع الإبقاء على زخم السيطرة النيرانية على مضيقي هرمز وباب المندب لمضاعفة الأثر الاقتصادي والاستعداد لسيناريوهات توسع الصراع.