“عندما كنت في العراق، بعد سنوات قليلة من الواقعة، اصطحبت مجموعة من كبار المسؤولين العراقيين إلى النصب التذكاري لأحداث 11 سبتمبر في نيويورك “جراوند زيرو”، وعندما رأيته بكيت”.

بهذه الكلمات استعاد جوش بول، المسؤول السابق بوزارة الخارجية الأمريكية، ذكرياته عن أحداث 11 سبتمبر، مؤكدًا أن المأساة بالنسبة له لم تتوقف عند آلاف الأشخاص الذين قُتلوا في الهجمات، وإنما امتدت إلى عشرات العراقيين الذين التقاهم خلال عمله، وسقطوا لاحقًا في الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة على العراق.

وأضاف “بول”، في حوار خاص مع موقع “القاهرة الإخبارية” بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر، أن “الخسائر الملموسة” التي يتذكرها من تلك المرحلة لم تقتصر على ضحايا الهجمات، وإنما شملت أيضًا “العشرات من العراقيين الرائعين” الذين التقى بهم وقُتلوا خلال الحرب التي أعقبتها.

ويملك جوش بول خبرة تمتد لعقود في وزارة الخارجية الأمريكية، قبل أن يستقيل من منصبه عام 2023 احتجاجًا على سياسة إدارة الرئيس جو بايدن تجاه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

لا دليل على مؤامرة

وفي حديثه عن الجدل الذي لا يزال يحيط بهجمات 11 سبتمبر، والجهات التي وقفت وراء التخطيط والتنفيذ، رفض بول النظريات التي تشكك في الرواية المعروفة بشأن المسؤول عن تنفيذ الهجمات، معتبرًا أن الادعاءات المتعلقة بوجود مؤشرات غير عادية أو تواطؤات خلف الهجمات لا تستند إلى أدلة ذات مصداقية.

ويرى أنه لا يوجد دليل فعلي على أن عددًا غير عادي من الموظفين كانوا في إجازة في ذلك اليوم.

وقال إن الهجمات أودت بحياة آلاف الأشخاص، بينهم قادة في عالم الأعمال والجيش وأفراد من عائلات مسؤولين أمريكيين بارزين، فضلًا عن العديد من أفراد فرق الإنقاذ والاستجابة الذين هرعوا إلى مواقع الهجمات لإنقاذ الضحايا.

وأشار إلى أن هجمات 11 سبتمبر عام 2001 “خطط لها ونفذها تنظيم القاعدة بتوجيه من أسامة بن لادن”.

موجة الإسلاموفوبيا

وحول تداعيات الهجمات والرد الأمريكي عليها، يرى “بول” أن الولايات المتحدة شهدت عقب 11 سبتمبر موجة واسعة من الإسلاموفوبيا، انعكست في انتهاكات للحقوق الدستورية داخل البلاد، فضلًا عن سياسات تجاهلت، بحسب وصفه، حجم الخسائر البشرية في الخارج.

ويؤكد أن تلك التداعيات “لم تكن مبررة بطبيعة الحال”.

وأشار إلى أن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش حرص، في الأيام الأولى التي أعقبت الهجمات، على التأكيد بأن الإسلام لا يمثل عدوًا للولايات المتحدة، مستشهدًا بتصريح شهير له قال فيه إن “الإسلام هو السلام” خلال زيارة لمركز إسلامي.

لكن “بول” يرى أن هذه الرسالة لم تنجح في الوصول بالقدر الكافي إلى أجهزة إنفاذ القانون المحلية أو قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي، معتبرًا أن موجة الإسلاموفوبيا التي أعقبت 11 سبتمبر ساهمت، من وجهة نظره، في تمهيد الطريق أمام تصاعد مظاهر العداء للمسلمين في الولايات المتحدة خلال السنوات التالية.

أبو غريب وغزة.. هل يتكرر المشهد؟

وانتقل الحوار إلى الانتهاكات التي شهدتها السجون التي تديرها القوات الأمريكية في العراق، وفي مقدمتها سجن أبو غريب، وما يراه بول من أوجه تشابه بينها وبين أوضاع الفلسطينيين المحتجزين لدى إسرائيل.

ووصف المسؤول الأمريكي السابق التعذيب الذي مورس في السجون العراقية، خاصة في أبو غريب، بأنه “قبيح وإجرامي ولا يمكن تبريره”، مشيرًا إلى أن الكشف عن الانتهاكات أثار ردود فعل واسعة، وتصدر عناوين الصحف العالمية، وانتهى إلى محاكمة عدد من المتورطين فيها.

وقال “بول” إن ما يراه اليوم بشأن الفلسطينيين المحتجزين لدى إسرائيل يحمل “أوجه تشابه بالتأكيد” مع الانتهاكات التي وقعت في أبو غريب، لكنه اعتبر أن الممارسات الإسرائيلية، بحسب تقييمه، “أكثر منهجية بكثير”، وأنها تحظى بدعم من القيادة والمجتمع الإسرائيلي، على حد وصفه.

وأضاف أن ما يعتبره صمتًا دوليًا وغيابًا للمساءلة تجاه الانتهاكات بحق الفلسطينيين يمثلان فارقًا أساسيًا في التعامل مع الحالتين.

ويرى بول أن تطبيق مستوى من المساءلة على الانتهاكات الإسرائيلية مماثل لما حدث في قضية أبو غريب، حتى وإن كان رد الفعل الأمريكي آنذاك غير كافٍ من وجهة نظره، سيمثل “خطوة مهمة إلى الأمام” مقارنة بالوضع الحالي.

معاناة المسلمين

وفيما يتعلق بتداعيات أحداث 11 سبتمبر على المسلمين، يرى بول أن الإسلاموفوبيا لم تبدأ مع الهجمات، وإنما تمتد جذورها، بحسب رؤيته، إلى فترات تاريخية أقدم بكثير.

ويرى بول أن الصراع الإسرائيلي مع العالم الإسلامي أسهم بدوره في نقل هذه التوترات إلى التجربة السياسية الأمريكية، بينما أصبحت الصورة أكثر تعقيدًا، بحسب وصفه، مع صعود ما يعرف بالقومية المسيحية البيضاء داخل الولايات المتحدة.

واعتبر أن بعض التيارات السياسية الأمريكية تستخدم هذه النزعات في محاولة لتقسيم المجتمع، بما يزيد من حدة الاستقطاب ويغذي مظاهر العداء تجاه المسلمين.

وبعد مرور 25 عامًا على هجمات 11 سبتمبر، يرى جوش بول أن تأثير ذلك اليوم لم يتوقف عند انهيار برجي مركز التجارة العالمي أو الهجوم على البنتاجون، وإنما امتد إلى سلسلة طويلة من الحروب والسياسات والتحولات التي أعادت تشكيل علاقة الولايات المتحدة بالعالم الإسلامي.