تحتضن العاصمة الهندية قمة تكتل بريكس في دورتها لعام 2026، في توقيت بالغ الحساسية تتشابك فيه حروب متعددة وتوترات تجارية حادة وصراع خفي على قيادة دول الجنوب العالمي، وإلى جانب الملفات الدولية الساخنة، تُلقي منافسة غير معلنة بين عملاقين آسيويين (الصين والهند) بظلالها على كل جلسة وكل مصافحة في أروقة القمة، فبينما يرى الرئيس الصيني شي جين بينج في بريكس رافعةً لتحدي الهيمنة الأمريكية، يتمسك رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي برؤية مغايرة تجعل منه جسرًا يربط الغرب بدول الجنوب دون أن يتحول إلى تكتل معادٍ للغرب، وهو خلاف جوهري.

انقسام بين رؤيتين

تُوضح صحيفة “نيويورك تايمز” أن ملامح الانقسام داخل بريكس تتجلى في التعارض بين الرؤيتين الصينية والهندية، إذ دأبت بكين على السعي لتوسيع عضوية التكتل بما يُضعف النفوذ الأمريكي، فيما آثرت نيودلهي التريث والحذر من هذا التوسع، مُفضلة أن يظل بريكس منصة جامعة لا تُكرس الانحياز لمعسكر بعينه.

وقد عكست شبكة “أي بي سي نيوز”، هذا الواقع بقولها إن التكتل يضم اليوم 11 دولة تمثل نحو نصف سكان العالم وحصة كبيرة من موارد الطاقة والاقتصاد، غير أن توسعه أفرز تباينًا حادًا في المصالح، إذ تجمع بريكس دولًا ذات طموحات إقليمية متنافسة كالهند والصين، وإيران والسعودية.

ذوبان الجليد الصيني-الهندي

تمثل زيارة شي جين بينج لنيودلهي أول حضور له على الأراضي الهندية منذ سبع سنوات، وهي في حد ذاتها رسالة دبلوماسية بليغة بعد أن بلغت العلاقات بين البلدين حضيضها عام 2020، حين اندلعت اشتباكات حدودية دامية في منطقة متنازع عليها، أعقبتها قطيعة شاملة، بداية من تعليق الرحلات الجوية وطرد الصحفيين وحظر هندي للتطبيقات الصينية كـ”تيك توك” وتجميد الاستثمارات، وصولًا لتسريع صيني لتحصيناته على الحدود المشتركة.

وبحسب “نيويورك تايمز”، انطلق مسار التقارب في قمة بريكس بروسيا عام 2024، وباتت التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واضطراب التجارة العالمية قاسمًا مشتركًا يجمع البلدين رغم خلافاتهما.

وترى الباحثة يون صن من مركز ستيمسون في واشنطن أن بكين تسعى لاستعادة نفوذها مع نيودلهي تحديدًا لأن استمرار التوترات قد يدفع الهند نحو واشنطن ويُعمّق انخراطها في تكتل “كواد” الأمني، غير أن الباحثة تانفي مادان من مؤسسة بروكينجز تستدرك بأن هذا الذوبان لم يُفضِ إلى تسوية حقيقية للخلافات، بل إن البلدين “يديران التنافس لا يحلانه”، مشيرةً إلى أن “شي” يوظف حضوره في نيودلهي كرسالةً للعالم أجمع مفادها أن الصين لا تزال الشريك الدبلوماسي الأكثر استقرارًا في مواجهة الضغوط الأمريكية.

مودي يُحكم قبضته من بيته

تمتلك الهند ميزة استراتيجية جوهرية هذا العام بتوليها الرئاسة الدورية لبريكس، ما يمنح “مودي” صلاحية تشكيل الأجندة وتوجيه مخرجات القمة.

وقد انعكس ذلك في كل تفصيلة، من الشعار الرسمي الذي يضع الهند بلون الزعفران المرتبط بحركة مودي الأيديولوجية في قلب زهرة اللوتس رمز حزبه القومي الهندوسي، إلى شعار “النمو العالمي الشامل” الذي يستحضر إرث استضافة نيودلهي لقمة مجموعة العشرين عام 2023، حين أضافت الاتحاد الإفريقي لعضويتها وصاغت بيانًا ختاميًا تحاشى الانحياز في الحرب الروسية الأوكرانية.

وفي القمة الحالية، التقى مودي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين لبحث رفع التبادل التجاري الثنائي إلى مئة مليار دولار بحلول عام 2030 وتعزيز التعاون في الدفاع والطاقة والمعادن الحيوية، بحسب ما أوردته صحيفة “ذا هندو” الهندية.

كما شدد “مودي” في منتدى بريكس للأعمال على أهمية حرية الملاحة البحرية وأمن ممرات التجارة الدولية وسلامة البحارة، فيما التقى بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش الذي أشاد برئاسته للتكتل، وتوافق الجانبان على ضرورة إصلاح المؤسسات الدولية ومجلس الأمن لتعكس موازين القوى المتغيرة في العالم.

نقاط الخلاف الساخنة

تكشف “أي بي سي نيوز” أن ملفات بعينها تسلط الضوء على الانقسامات الداخلية لبريكس بشكل صارخ، فالحرب الروسية الأوكرانية تضع الهند في موقف بالغ الحرج، إذ تحرص على علاقاتها الوثيقة مع موسكو عبر صفقات الطاقة والسلاح، بينما تُعمّق في الوقت ذاته شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن، مكتفيةً بالدعوة إلى الحوار بدلًا من اتخاذ موقف صريح.

وعلى المنوال نفسه، يُشكل وجود إيران عضوًا في بريكس الموسع تحديًا إضافيًا في ظل الحرب المندلعة في غرب آسيا، فبينما تدعم الصين وروسيا طهران في المحافل الدولية، تنتهج الهند والسعودية والإمارات مقاربات أكثر تحفظًا.

وعلى الصعيد المالي، يبقى ملف تقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي حاضرًا بقوة على طاولة النقاشات، لا سيما بعد أن كشفت العقوبات الغربية على روسيا عن هشاشة الدول التي تعتمد على المنظومة المالية الغربية، غير أن محيش ساشديف، الدبلوماسي الهندي المتقاعد، يُحذر من تصوير المسألة على أنها مواجهة مباشرة مع الدولار، مؤكدًا أن الهدف هو تقليص التعرض للضغوط السياسية المالية لا استبدال النظام القائم برمته، ومستخدمًا عبارته الجامعة: “إنها ليست معركة مواجهة بالمعنى الحرفي”.