
كشفت شبكة بي بي سي البريطانية أن حكومة المملكة المتحدة ستُعلن رسميًا فرض قيود تجارية على البضائع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة، ضمن ما وصفه المسؤولون البريطانيون بـ”إعادة ضبط شاملة” لسياسة لندن تجاه الملف الإسرائيلي الفلسطيني، تشمل البُعدين التجاري والدبلوماسي معًا.
قيود على المستوطنات وتصعيد للعقوبات
بحسب ما رصدته شبكة بي بي سي، من المنتظر أن يُعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميلاند تفاصيل هذه الإجراءات أمام مجلس العموم، في أول خطوة عملية منذ تسلمه الحقيبة قبل ستة أسابيع، إذ أعلن عزمه “إعادة ضبط السياسة” تجاه إسرائيل.
وتشمل القيود المرتقبة حظر استيراد المنتجات الزراعية القادمة من المستوطنات، كالأغذية الطازجة والنبيذ، فضلًا عن قيود على الخدمات وفق ما أوردته بي بي سي نقلًا عن نواب عماليين اطلعوا على مسودة الخطة.
وكان وزير الدولة ستيفن دوتي، الذي عُين لاحقًا وزيرًا للشأن الشرق أوسطي، قد لفت في يوليو الماضي إلى قصور الصلاحيات القانونية القائمة، قائلًا إن الإطار الراهن يُتيح العقوبات فقط حين تثبت الصلة بالعنف، “لكن ليس مثلًا في مواجهة مقاول يعمل في المستوطنات”، مؤكدًا الحاجة إلى توسيع هذه الصلاحيات.
الشرارة التي أشعلت القرار البريطاني
تتمحور العقوبات حول مشروع الاستيطان في منطقة E1 شرقي القدس، الذي أعلنت إسرائيل فتح مناقصاته لبناء نحو 1200 وحدة سكنية، في خطوة استقطبت إدانات دولية واسعة.
ووصف ميلاند هذه الخطوة بأنها “تجاوز للخط الأحمر” و”انتهاك صريح للقانون الدولي”، محذرًا من أنها “تشق قلب الضفة الغربية وتُهدد بجعل الدولة الفلسطينية أمرًا مستحيلًا”.
وأضاف رئيس الوزراء آندي بيرنام أن مشروعًا يُمثل تهديدًا وجوديًا لأي أفق سياسي يقوم على إقامة دولتين متجاورتين.
وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل ظلت ممتنعة عن تنفيذ هذا المشروع لعقود تحت ضغط دولي متواصل، غير أنها استأنفته مؤخرًا في ظل الحرب المستمرة على غزة وتصاعد العمليات الاستيطانية في الضفة.
بيرنام يتحرك دوليًا وواشنطن صامتة وأوروبا سبقت
أجرى رئيس الوزراء آندي بيرنام اتصالات مكوكية مع عدد من القادة الدوليين الاثنين، كان في مقدمتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ أكد له أهمية حل الدولتين.
وبينما لم يُشر البيان الرسمي الصادر عن داونينج ستريت صراحةً إلى إحاطة ترامب بتفاصيل العقوبات، فإن واشنطن التزمت الصمت حتى الآن، رغم أن المسؤولين البريطانيين يُقرون بأنها على الأرجح ستُعارض الإجراءات بشدة.
وفي السياق ذاته، سبقت دول أوروبية عدة لندن في اتخاذ خطوات مماثلة، إذ أعلنت إسبانيا وأيرلندا وهولندا حظر استيراد بضائع المستوطنات، وإن كانت بعض هذه القرارات لم تدخل حيز التنفيذ الكامل بعد.
الحجم التجاري والتحديات التطبيقية
على الرغم من الثقل السياسي للإعلان البريطاني المرتقب، يظل تأثيره الاقتصادي المباشر محدودًا، إذ تُشير بي بي سي إلى أن حجم التبادل التجاري الثنائي بين البلدين يبلغ نحو 6 مليارات جنيه إسترليني سنويًا، فيما لا تمثل منتجات المستوطنات سوى جزء يسير من هذا الإجمالي.
وأكد وزير الدولة بات ماكفادن أن إسرائيل ستظل شريكًا تجاريًا مهمًا وأنه “لن تكون هناك مقاطعة شاملة للبضائع الإسرائيلية”.
ويُفاقم من التعقيد التطبيقي ما نبه إليه الدبلوماسيون الأجانب من صعوبة التمييز الفعلي بين البضائع الإسرائيلية وتلك القادمة من المستوطنات، في ظل غياب بيانات دقيقة تكشف المنشأ الحقيقي لكثير من المنتجات.
في المقابل، أشارت إميلي ثورنبري، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان، إلى أن الاتفاقية التجارية القائمة بين البلدين تُفرق أصلًا بين المنتجات الإسرائيلية والمستوطناتية، مما يُوفر أساسًا قانونيًا قابلًا للتطبيق.
غضب إسرائيلي وتحذيرات داخلية بريطانية
جاءت ردود الفعل الإسرائيلية حادة، إذ طالب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بطرد السفير البريطاني، فيما لم يُصدر مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ولا وزارة الخارجية أي تعليق رسمي حتى الآن.
وتأتي هذه التطورات في لحظة سياسية بالغة الحساسية، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، وسط استطلاعات تُشير إلى احتمال خسارة ائتلاف نتنياهو الحاكم أغلبيته.
خلفية الأزمة مستوطنات وعنف متصاعد
تتشابك في هذا الملف خيوط تاريخية وقانونية بالغة التعقيد، فمنذ احتلال إسرائيل للضفة الغربية والقدس الشرقية عام 1967، أقامت نحو 160 مستوطنة يقطنها ما يزيد على 700 ألف مستوطن، في مقابل نحو 3.3 مليون فلسطيني يعيشون في المنطقة ذاتها.
وتعتبر الأمم المتحدة وغالبية دول العالم، بما فيها بريطانيا، هذه المستوطنات غير مشروعة بموجب القانون الدولي، فيما ترفض إسرائيل هذا التوصيف، مؤكدة أن الأراضي “متنازع عليها” لا “محتلة”.
وقد شهدت الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023 تصاعدًا حادًا في اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الإعلان يأتي بعد نحو عام من اعتراف الحكومة البريطانية رسميًا بالدولة الفلسطينية، في خطوة وصفتها لندن آنذاك بأنها “مسؤولية أخلاقية” نحو مستقبل سلمي مشترك.
