
الصين تؤجل إطلاق مهمة للبحث عن الماء على سطح القمر
أجلت الصين إطلاق مسبارها القمري “تشانج آه-7″، الذي كان يستعد للبحث عن الجليد المائي في القطب الجنوبي للقمر، في خطوة قد تؤثر على سباق متسارع مع الولايات المتحدة لاستكشاف المنطقة، التي يُعتقد أنها تحتوي على كميات كبيرة من المياه المتجمدة.
وأعلنت وكالة هندسة الفضاء المأهول الصينية، بحسب وسائل الإعلام الرسمية، أن المهمة “لا يمكن أن تنطلق خلال نافذة الإطلاق المخطط لها هذا العام”، بعدما كان من المتوقع إطلاق المسبار مساء الأحد أو صباح الاثنين بتوقيت بكين، دون أن تحدد موعدًا جديدًا للمحاولة أو تكشف السبب الدقيق وراء التأجيل.
مهمة استثنائية
استعدت الصين لإطلاق “تشانج آه-7” في مهمة تهدف إلى دراسة القطب الجنوبي للقمر والبحث مباشرة عن المياه المتجمدة، في واحدة من أكثر المهمات تقدمًا في برنامجها القمري، إذ لم تتمكن أي مهمة حتى الآن من تحليل المياه على سطح القمر بصورة مباشرة.
وأوضحت السلطات الصينية أن قرار التأجيل اتُخذ بعدما خلص التقييم إلى أن المسبار “لا يستوفي شروط الإطلاق”، مؤكدة أن القرار جاء وفق مبدأ “الحذر والموثوقية وضمان نجاح المهمة بشكل مطلق”، دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن المشكلة التي حالت دون الإطلاق.
وتستهدف المهمة مناطق مظللة بصورة دائمة في القطب الجنوبي للقمر، إذ تشير البيانات التي جمعتها الأقمار الصناعية إلى احتمال وجود كميات كبيرة من الجليد المائي داخل الفوهات، لكن حجم هذه الاحتياطيات ومدى إمكان استخراجها واستخدامها لا يزال غير محسوم.
سباق القطب الجنوبي
دخلت الولايات المتحدة والصين في منافسة متزايدة لاستكشاف القطب الجنوبي للقمر، مع سعي البلدين إلى تطوير تقنيات يمكن استخدامها لإقامة قواعد أو مستوطنات بشرية مستقبلًا، والاستفادة من الموارد الموجودة على سطح القمر بدلًا من نقل كل الاحتياجات من الأرض.
ورصدت الولايات المتحدة بالفعل مؤشرات على وجود الجليد المائي باستخدام أجهزة استشعار عن بعد على متن مركبات تدور حول القمر، لكنها لم تنجح حتى الآن في إرسال مسبار قادر على حفر سطح القمر والوصول إلى هذا المورد مباشرة.
وتعرضت شركة “إنتويتيف ماشينز” الأمريكية، التي تتخذ من تكساس مقرًا لها، لانتكاسة في 2025 عندما أرسلت مركبة تحمل جهاز حفر للبحث عن المياه، لكن المركبة تعرضت لمشكلة في أثناء الهبوط في التضاريس الصعبة للقطب الجنوبي ولم تتمكن من تنفيذ أهداف مهمتها بالكامل.
منافسة أمريكية
تتحرك الولايات المتحدة أيضًا لإرسال عدد من المركبات إلى المنطقة نفسها، خلال العام المقبل، إذ يمكن لشركة “أستروبوتيك تكنولوجيز” إطلاق مركبة “جريفين” إلى القطب الجنوبي للقمر، أواخر 2026، بينما تخطط شركة “بلو أوريجين” لإرسال مركبتين آليتين إلى القمر خلال 2027.
وقد تحمل إحدى مهمات “بلو أوريجين” المركبة الجوالة “فايبر”، التي صممتها وكالة ناسا خصيصًا للبحث عن الجليد المائي والموارد القمرية الأخرى، ما يعكس تنامي التركيز الأمريكي على استغلال الموارد بدلًا من الاكتفاء بجمع البيانات العلمية.
ويمكن لتأجيل “تشانج آه-7” أن يمنح البرنامج الأمريكي مساحة أكبر للمنافسة، بعدما كانت الصين تستعد لتنفيذ مهمة قد تمنحها تقدمًا في واحدة من أكثر مراحل السباق القمري حساسية، وهي الوصول إلى الموارد المائية وتحليلها مباشرة.
موارد إستراتيجية
ترجع أهمية الجليد المائي في القطب الجنوبي للقمر إلى إمكان تحويله إلى مياه صالحة للشرب أو أكسجين للتنفس، إضافة إلى استخدام مكوناته في إنتاج وقود للصواريخ، ما قد يقلل تكلفة المهمات المستقبلية إلى القمر وما وراءه.
وحذّر الأستاذ الفخري بجامعة براون جيمس هيد، الذي شارك في برنامج “أبولو” التابع لوكالة ناسا، من أن وجود كميات من الجليد المائي تكفي لاستخدامها لهذه الأغراض لم يثبت بعد، مشيرًا إلى أن مهمة “تشانج آه-7” يمكن أن تحقق تقدمًا مهمًا في تحديد طبيعة هذه الموارد وحجمها.
وقال عالم جيولوجيا القمر في جامعة هونج كونج، يوكي تشيان، إن برنامج الصين القمري ينتقل تدريجيًا من مرحلة الاستكشاف إلى مرحلة استخدام الموارد، في تحول يعكس توجه بكين ودول أخرى نحو استكشاف أكثر استدامة يعتمد على الموارد الموجودة على القمر نفسه.
وأعاد تأجيل المهمة بذلك فتح مساحة للمنافسة الأمريكية في سباق القطب الجنوبي، لكنه لم يغير الاتجاه العام للبرنامج الصيني، الذي يسعى إلى الانتقال من دراسة القمر إلى استغلال موارده، في وقت أصبحت فيه المياه المتجمدة أحد أهم الأهداف الإستراتيجية للسباق الفضائي الجديد بين واشنطن وبكين.
