
تقييمات استخباراتية أمريكية: بوتين قد يختبر صمود الناتو بعمل عسكري محدود
حذرت تقييمات استخباراتية أمريكية جديدة من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يُقدم على اختبار صمود حلف الناتو بعمل عسكري محدود ضد إحدى الدول الأعضاء خلال السنوات المقبلة، في تحول جوهري عن التقديرات السابقة التي كانت تستبعد أي مغامرة روسية خارج حدود أوكرانيا. وفي هذا الصدد، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال عن هذه التقييمات، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين، موضحةً أن السيناريوهات المطروحة تتدرج من هجوم إلكتروني موجَّه إلى توغل بري محدود على الجناح الشرقي للحلف، ضمن نافذة زمنية تمتد من خريف العام الحالي وحتى عام 2029، وذلك في وقت تتكشف فيه ثغرات خطيرة في مخزونات الذخيرة الأمريكية جراء الحروب المتزامنة في أوكرانيا والشرق الأوسط.
تحول جوهري في التقدير الأمريكي
كان التقييم الاستخباراتي السائد حتى وقت قريب يُرجح أن الكرملين لن يُغامر بفتح جبهة مع الناتو طالما ظلت الحرب الأوكرانية تستنزف جيشه، غير أن هذه القناعة تبدلت مطلع العام الجاري، وفق ما أفادت به الصحيفة، في ضوء تراكم الضغوط على بوتين من كل اتجاه، إذ باتت الطائرات المسيّرة الأوكرانية تضرب البنية التحتية النفطية الروسية وتُنهك صفوف الجيش، كما تتآكل المكاسب الميدانية.
ويرى المسؤولون الأمريكيون أن بوتين قد يغدو أشد خطورة حين يجد نفسه في زاوية ضيقة، وهو ما دفع أجهزة الاستخبارات إلى إعادة رسم خريطة التهديدات المحتملة.
سيناريوهات التصعيد
ترصد التقييمات الاستخباراتية الأمريكية، بحسب الصحيفة، ثلاثة مسارات محتملة للتصعيد الروسي، أولها هجوم إلكتروني موجَّه ضد إحدى دول الحلف، والثاني إرسال وحدات مسلحة مجهولة الهوية لاحتلال بقعة جغرافية بعينها، على غرار ما جرى في شرق أوكرانيا عام 2014، أما الثالث، والأكثر إثارة للقلق، فهو توغل بري محدود على الجناح الشرقي للحلف.
وتُشير التقديرات إلى أن احتمال هذا السيناريو الأخير يبقى منخفضًا في الوقت الراهن، إلا أنه يرتفع تدريجيًا كلما مرت الأشهر دون حسم. ولا تبدو هذه المخاوف مجردة من الشواهد الميدانية، إذ وثق مسؤولون أمريكيون وأوروبيون ما يصفونه بـ”هجمات استطلاعية” روسية، أبرزها صواريخ كروز التي سقطت داخل الأراضي البولندية، وطائرات مسيّرة اخترقت الأجواء الرومانية، في إشارة إلى أن موسكو تتعمد اختبار ردود أفعال الحلف وقياس مدى تماسكه.
الهدف الروسي
تشير الصحيفة الأمريكية إلى أن الضربة العسكرية في حد ذاتها لا تُشكل هدف بوتين الفعلي، بل إن الغاية الكبرى، وفق ما نقلته عن المسؤولين، هي زرع الشقاق في صفوف الحلف وتوسيع الهوة بين واشنطن وشركائها الأوروبيين.
ويكمن الرهان الروسي في استغلال الغموض القانوني المحيط بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تُلزم الأعضاء بالدفاع الجماعي في حال وقوع عدوان مسلح، لكنها تتركهم في منطقة رمادية حين يتعلق الأمر بهجمات إلكترونية أو عمليات هجينة دون العتبة التقليدية للحرب.
وقد سلطت هيذر كونلي، الزميلة الأولى في معهد المشروع الأمريكي، الضوء على هذا الاختلال، قائلةً إن “تحدي روسيا لمصداقية الناتو وفصل الولايات المتحدة عن حلفائها كان دائمًا هدفًا استراتيجيًا ثابتًا”، مستشهدةً بسابقة الهجمات الإلكترونية على إستونيا عام 2007، حين اختارت تالين إدارة الأزمة بصمت بدلًا من استدعاء الاستجابة الجماعية للحلف، وهو بالضبط ما تراهن عليه موسكو في أي مواجهة مقبلة.
ثغرة استراتيجية تُقلق البنتاجون وتُغري الخصوم
توضح وول ستريت جورنال أنه يُضاف إلى المشهد المقلق بُعد آخر يزيد الأمر تعقيدًا، وهو عجز حاد في مخزونات الذخيرة الأمريكية الحيوية. فبحسب ما أوردته الصحيفة، أفضت عمليات نقل الأسلحة إلى أوكرانيا والاشتباك العسكري مع إيران إلى استنزاف مخزونات بالغة الأهمية، تشمل صواريخ الضربات الدقيقة بعيدة المدى، وصواريخ ستينجر المضادة للطائرات، فضلًا عن منظومات الدفاع الجوي الحاسمة، مثل باتريوت وثاد وSM-3، إذ يُقدر معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية(CSIS) أن الولايات المتحدة أنفقت ما بين 1060 و1430 صاروخ باتريوت في مواجهة إيران وحدها، ما يعني أن ما لا يزيد على 870 صاروخًا قد يكون كل ما تبقى في الترسانة الأمريكية.
وكان رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كاين، قد حذر البيت الأبيض صراحةً من هذا الشح، وفق وول ستريت جورنال، معتبرًا أن انخفاض المخزونات لن يحول دون استئناف العمليات ضد إيران، لكنه يُضيف أعباءً ومخاطر لا يمكن تجاهلها.
وفي المقابل، رفض المتحدث باسم البنتاجون شون بارنيل هذه الاتهامات جملةً وتفصيلًا، واصفًا إياها بـ”الكاذبة”، مؤكدًا أن الجيش الأمريكي يملك “عمقًا استراتيجيًا حاضرًا”، وأن “أي خصم يخلط بين ضجيج الإعلام وضعف أمريكا سيكتشف الحقيقة بطريقة مؤلمة”. غير أن المحللين خارج الحكومة يُبدون قلقًا أعمق، إذ يُحذر مارك كانسيان، من معهد CSIS، من أن الإنفاق العسكري في الشرق الأوسط قد بدأ يُلقي بظلاله على قدرة واشنطن على ردع خصومها في المحيط الهادئ في مواجهة الصين، وهو ما يجعل الحسابات الاستراتيجية الأمريكية أمام اختبار من أصعب ما مرت به منذ نهاية الحرب الباردة.
