رسمت التطورات الجيوسياسية التي شهدها العالم خلال النصف الأول من عام 2026 خريطة جديدة للاستثمار، بعدما تغير أداء الأصول المالية بصورة غير معتادة، فلم يعد الذهب الرابح الأكبر في أوقات الأزمات، بينما واصلت أسواق الأسهم تسجيل مكاسب قوية رغم استمرار ارتفاع أسعار الفائدة والتضخم، في الوقت الذي ظلت أسواق السندات والنفط والعملات تتحرك تحت ضغوط المشهد الاقتصادي العالمي.

 

وأظهرت قراءة لتطورات الأسواق العالمية أن استمرار التوترات بين إيران والولايات المتحدة لفترة أطول من المتوقع، إلى جانب استمرار اضطرابات التجارة العالمية، دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم محافظهم الاستثمارية، في ظل بيئة تتسم بارتفاع معدلات عدم اليقين، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أداء الأسهم والسندات والذهب والنفط والعملات خلال الأشهر الستة الأولى من العام.

 

وجاءت أسواق الأسهم في صدارة الرابحين خلال النصف الأول من العام، بعدما قفز مؤشر S&P 500 الأمريكي بنحو 20% مقارنة بأدنى مستوياته المسجلة في مارس الماضي، مدعومًا بموجة التفاؤل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، رغم استمرار ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا واستمرار الضغوط التضخمية.

 

وفي المقابل، كان الذهب أحد أكبر المفاجآت خلال الفترة، إذ فقد نحو 15% من قيمته خلال الربع الثاني، رغم أنه يعد تقليديًا الملاذ الآمن الأول للمستثمرين في فترات الاضطرابات الجيوسياسية، في تحول يعكس تغيرًا واضحًا في سلوك المستثمرين مقارنة بالأزمات السابقة.

 

أما أسواق النفط، فظلت تتحرك في نطاق مرتفع طوال معظم الربع الثاني، قبل أن تتراجع بصورة محدودة خلال يونيو، بينما استمرت معدلات التضخم وأسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، الأمر الذي زاد من تعقيد قرارات البنوك المركزية الكبرى بشأن توقيت وحجم خفض أسعار الفائدة.

 

وعلى صعيد أسواق السندات، ورغم قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بخفض أسعار الفائدة ثلاث مرات خلال العام الماضي بإجمالي 75 نقطة أساس، فإن عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات ارتفع بنحو 40 نقطة أساس منذ بدء دورة التيسير النقدي في سبتمبر 2025، في تطور غير معتاد يعكس استمرار مخاوف المستثمرين بشأن التضخم والدين العام الأمريكي.

 

وامتدت هذه التطورات إلى الأسواق الناشئة، إذ أدى ارتفاع العوائد الأمريكية إلى زيادة تكلفة الاقتراض عالميًا، بما في ذلك مصر، التي شهدت ارتفاعًا جديدًا في عوائد أذون الخزانة بعد تراجعها خلال بداية العام، كما ظلت عوائد السندات الدولية المصرية المقومة بالدولار عند مستويات مرتفعة.

 

وفي السوق المصرية، تراجع متوسط معدل التضخم السنوي من نحو 20% خلال عام 2025 إلى 11.9% في يناير 2026، قبل أن يعاود الارتفاع تدريجيًا إلى 14.3% في يونيو، مدفوعًا بارتفاع أسعار النفط وضعف سعر صرف الجنيه، وهو ما دفع البنك المركزي المصري إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير بعد خفضها بمقدار 100 نقطة أساس في فبراير الماضي.

 

وفي سوق الصرف، تعرض الجنيه المصري لضغوط خلال الربع الأول بعدما تراجع بنحو 15% أمام الدولار ليصل إلى 54.50 جنيهًا، قبل أن يستعيد نحو 10% من قيمته خلال الربع الثاني، مدعومًا بارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى مستوى قياسي بلغ 55 مليار دولار في يونيو، وهو ما عزز من قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية.

 

ورغم هذه التطورات، واصلت البورصة المصرية أداءها القوي، إذ ارتفع مؤشر EGX30 Capped بنسبة 13% خلال الربع الثاني، بعد مكاسب بلغت 6.8% في الربع الأول، ليستقر بالقرب من أعلى مستوياته التاريخية، بينما حققت الأسهم المصرية عائدًا يقترب من 400% خلال السنوات الخمس الماضية، وأكثر من 50% خلال الاثني عشر شهرًا الأخيرة، في واحدة من أفضل الفترات التي شهدها السوق منذ سنوات.

 

ويرى التقرير أن المشهد الاستثماري العالمي أصبح أكثر تعقيدًا، إذ لم تعد العلاقة التقليدية بين أسعار النفط والتضخم والفائدة وأسواق الأسهم تسير بالوتيرة المعتادة، وهو ما يجعل قرارات الاستثمار أكثر صعوبة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع مستويات عدم اليقين.

 

وأكد التقرير على أن المرحلة الحالية لا تفرض البحث عن أصل واحد يحقق أفضل عائد، وإنما تستدعي تنويع المحافظ الاستثمارية وتوزيع الاستثمارات بين أكثر من فئة أصول، في ظل توقعات باستمرار التقلبات خلال النصف الثاني من عام 2026، مع بقاء تأثير التطورات الجيوسياسية والسياسات النقدية العالمية على حركة الأسواق.